إنتفاضة الشعوب العربية الى أين ...؟

بغض النظر عن رأينا الشخصي لما يحدث من ثورات وإنتفاضات في الشعوب العربية، حيث أننا ننظر إليها على أنها حق تأخرت المطالبة به كثيراً، وعلى أنه (عودة الروح) الى جسد ميت، وعلى أنه لابد للأعضاء المصابة بالغنغرينا إما أن تقضي على حياة المرء أو يستأصلها قبل فوات الأوان، وان جميع الأنظمة العربية بلا إستثناء، هي أعضاء مصابة بالغنغرينا، سواء كانت في المشرق أو المغرب أو الخليج أو الشام، وان عملية إستئصالها بعملية جراحية نظيفة ومعقمة، أو بواسطة معول صدئ، باتت خياراً لابد منه، إذا كانت الشعوب العربية تنوي أن لايكون مصيرها في متحف الحيوانات المنقرضة. وعليه فإننا نستبشر خيراً بهذه الثورات والأنتفاضات - وهذا رأي شخصي.
ولكن .. ماتخبر به الروايات الواردة عمن يخبره العليم الخبير( فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ) ، فانه صلى الله عليه وآله أخبرنا بالأسباب والعواقب والنتائج الأخرى وأبعادها، لما يحدث في مثل هذا الوقت بالتحديد، وهي علوم تفوق رؤية المحللين والمفكرين والمفسرين وهي التالي :.

05‏/04‏/2015

الرسالة الخامسة ،، اليماني ( عتيق العرب ) ،، خلفية الصراع الدائر في اليمن



عتيــق العــرب

( اليمــانـي )


مـركـز البحوث والدراسات



                                                                 

                                                                   عامر الفيحان





                






المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، مالك يوم الدين ، ومالك الأيام كلها ، بلا تفريط في ملكه ولا إهمال لخلقه ، وجرت الأمور بقدره ، يداول الأيام بين الناس والأمم ، من مُلكٍ وممالك ونِعَم ، ليبلوهم ايُّهم احسن عملا ، حتى مجيء تأويل قوله تعالى :
( ن~ وَالْقَلَمِ ) فتسمع الناس صرير القلم ، وهو يكتب في صفحة السماء :
" واقترب الوعد الحق " ، لمن المُلك اليوم ، لله الواحد القهار ، وقيل الحمد لله رب العالمين .















                   
تمهيد

     لقد ورد في الروايات والأحاديث الشريفة المخبرة عن علامات واشراط دولة الإمام المهدي عليه السلام ، أحاديث وروايات كثيرة عن أصحاب ملك و قادة سياسيين أو عسكريين أو دينيين ، فمنهم من سمتهم الروايات بأسمائهم ، ومنهم من سمتهم بصفاتهم أو ألقابهم أو كناهم ، ومن هذه القيادات ( اليماني ) ، وكثرت الروايات حول اليماني إلى درجة التفصيل والبيان بحيث لا يختلط أمره على احد .
 إلا انه كان هناك دائما وفي أوقات متباينة ، يظهر من يدعي انه ( فلان ) من القادة الموعودون ، وفي الغالب فان هذه الادعاءات لم تأت من جهلة أو متوهمين بل من مخادعين لهم دراية وإلمام بأخبار دولة الإمام المهدي عليه السلام ، ومن هنا استغل ملوك بني العباس أسماء هؤلاء القادة وألقابهم ، حتى تجاوزوا كل الحدود إلى درجة تسميهم بـ ( السفاح ، والمنصور ، والمهدي ) وغير ذلك ، بل لقد كان قبل ذلك من الدجالين والكذابين من لقب نفسه أو لقبه أتباعه بهذه الألقاب الخاصة بأهلها ، مثل ( أمير المؤمنين ، والصديق ، والفاروق ، وسيف الله المسلول ) التي هي أسماء وألقاب خاصة برجل مخصوص بها وحده لا يشاركه فيها احد ، وهو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .
     إلا أن ذلك لا ينفي وجود وهم واشتباه عند أطراف أخرى ، فتظن خطأً غير الحق ، والأمثلة عليها أيضا كثيرة ، ومنها اعتقاد ابن طاووس الحسني بنفسه انه هو المشار إليه بالرواية التي تقول (أتاح الله لأمة محمد رجلا  منا أهل البيت ، يشير بالتقى ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشى ) ، حيث أن ابن طاووس زكى نفسه ، وإتّهم غيره ، واعتقد أنه هو المقصود بذلك ، كما في كتابه ( إقبال الأعمال) حيث يقول :
( وهذا ما ذكره بلفظه من نسخة عتيقة بخزانة مشهد الكاظم عليه السلام ، وهذا ما رويناه ورأينا عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
 قال : " الله اجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل " ، قال : قلت له : جعلت فداك فأخبرني بما أستريح إليه ، قال : " يا أبا محمد ليس يرى امة محمد صلى الله عليه وآله فرجا أبدا مادام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم ، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد رجلا  منا أهل البيت ، يشير بالتقى ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشى ، والله إني لا عرفه باسمه واسم أبيه ، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين ، القائم العادل الحافظ لما استودع يملأها قسطا وعدلا كما ملأها الفجار جورا وظلما " - ثم ذكر تمام الحديث . . أقول ـ والكلام لابن طاووس ـ ومن حيث انقرض ملك بني العباس لم أجد ولا أسمع برجل من أهل البيت يشير بالتقي ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشى ، كما قد تفضل الله به علينا باطنا وظاهرا ، وغلب ظني أو عرفت أن ذلك إشارة إلينا وإنعام . ) ([1]) انتهى كلام ابن طاووس .
   ثم اخطأ الشيخ علي الكوراني في كتابه ( عصر الظهور) بفهم هذه الرواية الواضحة ، لمجرد سوء فهم في معنى ( الغليظ القصرة ) ، ففسرها على انه ( قصير وبدين ) ثم بنى عليها بناءً خاطئا ، وتفسيرا مخالفا لحقائق لم يدركها الشيخ آنئذ ، فيقول :
 ( وهو حديث ملفت ولكنه ناقص من آخره مع الأسف ، فقد نقله صاحب البحار قدس سره عن كتاب الإقبال لابن طاووس الذي قال في الإقبال ص 599 إنه رآه في سنة اثنتين وستين وستماية في كتاب الملاحم للبطائني ، ونقله منه ، لكنه رحمه الله نقله ناقصا ، وقال في آخره " ثم ذكر تمام الحديث " والبطائني من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، وكتابه الملاحم مفقود النسخة ، وقد يكون موجودا في المخطوطات المجهولة في زوايا بلادنا الإسلامية . والحديث يدل على أنه يكون سيد من ذرية أهل البيت عليهم السلام يحكم قبل ظهور المهدي عليه السلام ويمهد لدولته ، ويوجه الناس إلى التقوى " يشير بالتقى . ويعمل بالهدى " أي على حسب أحكام الإسلام . " ولا يأخذ في حكمه الرشا " أي لا يساوم ولا يقبل الرشوة . وهذا السيد من المحتمل أن يكون الإمام الخميني .
 أما بنو فلان في قوله " مادام لولد بني فلان ملك " (..... ) يأتي بعدهم هذا السيد الموعود ويحكم بالعدل قبل ظهور المهدي عليه السلام . أما عبارة " ثم يأتينا الغليظ القصرة . ذو الخال والشامتين القائد العادل . " فهي تتحدث عمن يأتي بعد هذا السيد الموعود ، والمفهوم منها أنه المهدي عليه السلام الذي هو ذو الخال والشامتين كما ورد في أوصافه . ولكن وصف " الغليظ القصرة " أي البدين القصير، لا ينطبق على المهدي عليه السلام لان الروايات تجمع على أنه طويل القامة معتدلها . ولذا يرجح أن يكون سقط من الرواية فقرة أو أكثر باستنساخ ابن طاووس رحمه الله أو غيره من النساخ ، وأن يكون هذا الرجل البدين القصير يأتي بعد السيد الموعود ، وأن بعض أوصافه الأخرى سقطت . ولذا لا يمكن أن نستفيد من الرواية الاتصال بين هذا السيد الموعود وبين ظهور المهدي عليه السلام . ) ([2]) . وهذا جزء من كلام الشيخ الكوراني ـ رغم أن طبعة متأخرة من الكتاب حذف منها هذا الموضوع وهو كما يبدو انه انتبه إلى ذلك الخطأ ، إلا أن نسخة الكتاب بين أيدي الناس ويأخذون بها على أنها مما قاله الشيخ ـ .
   أما المعنى الحقيقي للرواية فنأخذه من ( لسان العرب ـ لابن منظور ) حيث يقول :
( وقد يوصف بذلك العنق نفسه ، فيقال : عنق أغلب ، كما يقال : عنق أجيد وأوقص . وفي حديث ابن ذي يزن : بيض مرازبة غلب جحاجحة ، هي جمع أغلب ، وهو الغليظ الرقبة ، وهم يصفون أبدا السادة بغلظ الرقبة وطولها ، والأنثى : غلباء ، وفي قصيد كعب : غلباء وجناء علكوم مذكرة . وقد يستعمل ذلك في غير الحيوان ، كقولهم : حديقة غلباء أي عظيمة متكاثفة ملتفة . وفي التنزيل العزيز : " وحدائق غلبا ". وقال الراجز
 : أعطيت فيها طائعا  أوكارها     حديقة غلباء في جدارها الأزهري
: الأغلب الغليظ القصرة . وأسد أغلب وغلب : غليظ الرقبة . وهضبة غلباء : عظيمة مشرفة . وعزة غلباء كذلك ، على المثل ، وقال الشاعر :
 وقبلك ما اغلولبت تغلب ، * بغلباء تغلب مغلولبينا ) ([3]).
     وإذن فالرواية ليس فيها نقص ولا تناقض ولا شيء غير مفهوم ، سوى سوء فهم الباحث ، كما أساء فهم معنى آل فلان وبني فلان ، لمجرد انه يخطئ في قراءة التاريخ قراءة صحيحة  ، وهذا الخطأ هو الشائع عند الأغلبية الساحقة حتى الآن .
    فالرواية تشير إلى (رجلا  منا أهل البيت ، يشير بالتقى ويعمل بالهدى ولا يأخذ في حكمه الرشى ) وبعد ذلك ( ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين ، القائم العادل ، الحافظ لما استودع يملأها قسطا وعدلا كما ملأها الفجار جورا وظلما ") وهي أوصاف الإمام المهدي عليه السلام ( الغليظ القصرة ) كما قال ابن منظور: (وهو الغليظ الرقبة ، وهم يصفون أبدا السادة بغلظ الرقبة وطولها ) ، وليس معناها بدين وقصير .
     وعلى أية حال ، أردنا من هذا أن نبين انه ليس كل من يسيء الفهم هو دجال وكذاب ، فقد يكون واهما ، أو مخطئا ، أو لم يستوف في بحثه وتحقيقه كل الأدلة والقرائن ، أو الاحتمالات  .
     وفي زمن الفتن المظلمة هذا الذي نعيشه ، كثر ظهور الدجالين والكذابين ، وفشى الجهل بين الناس حتى أصبح من السهل على هؤلاء الدجالين ادعاء شخصية احد هؤلاء القادة ، وكما هو معلوم فان منهم من ادعى انه الإمام المهدي عليه السلام واهلك كثيرا من بسطاء الناس بفتنته ، ثم عاجله الله ببتر عمره كما وعد الله وجاءت به الروايات ، كما في الإمامة والتبصرة :
: ( سعد ، عن ابن أبي الخطاب ، عن ابن سنان ، عن يحيى أخي أديم عن الوليد بن صبيح قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إن هذا الأمر لا يدعيه غير صاحبه ، إلا بتر الله عمره . )  ([4])  .
    ثم كثرت الادعاءات ، فمنهم من ادعى انه ( الحسني ) ، ومنهم من ادعى انه (القحطاني ) حتى انه غير اسمه الحقيقي إلى : ( أبو عبد الله الحسين القحطاني ) ، ومنهم من ادعى انه اليماني ( وهو صاحب البصرة ) .

فمن هو ( اليماني ) الذي تكلمت عنه الروايات ؟
    فهذا ما يجيب عليه هذا البحث ، كما يجيب ضمنا على شخصية( القحطاني ) ، وسنضع البحث في فصول ، يتناول الفصل الأول بعض الروايات التي تذكر اليماني ، وفي الفصل الثاني ، البعد التاريخي لشخصية اليماني ، وفي الفصل الثالث ، خصوصية العلاقة بين أهل البيت عليهم السلام ، وأهل اليمن ، وفي الفصل الرابع موقف اليمانيين يوم انقلبت الأمة على أعقابها ، وفي الفصل الخامس نتناول تمرد اليمانيين على السلطة الانقلابية وإعلان العصيان ثم المقاومة المسلحة ، وفي الفصل السادس الوعد برجوع الملك إليهم كتمهيد لدولة الإمام المهدي عليه السلام .
الفصل الأول :
 سنقتصر في هذا الفصل على ذكر بعض الروايات التي تذكر اليماني كقائد سياسي وعسكري يعتبر من الممهدين لدولة الإمام المهدي عليه السلام ، لنعرف من خلال هذا الفصل ، هل أن اليماني حقيقة ، أم أكذوبة .

ففي غيبة النعماني  : أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة قال : حدثني أحمد بن يوسف بن يعقوب أبو الحسن الجعفي من كتابه ، قال : حدثنا إسماعيل بن مهران ، قال : حدثنا الحسن بن على بن أبي حمزة ، عن أبيه ; ووهيب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر محمد بن علي ( عليهما السلام ) أنه قال : " إذا رأيتم نارا من  قبل  المشرق شبه الهردى العظيم ، تطلع ثلاثة أيام أو سبعة فتوقعوا فرج آل محمد (عليهم السلام ) إن شاء الله
ثم قال ( عليه السلام ) : خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز ، يتبع بعضه بعضا فيكون البأس من كل وجه ، ويل لمن ناوأهم ، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني ، هي راية هدى لأنه يدعو إلى صاحبكم ، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم ، وإذا خرج اليماني فانهض إليه ، فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم . ) ([5]) .
وفي غيبة النعماني أيضا : أخبرنا محمد بن همام قال : حدثني جعفر بن محمد بن مالك ، قال : حدثني علي بن عاصم ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) أنه قال : " قبل هذا الأمر السفياني ، واليماني ، والمرواني ، وشعيب بن صالح " .) ([6])
وفي كمال الدين :  حدثنا أبي رضي الله عنه قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن أخيه علي ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى عن محمد بن حكيم ، عن ميمون ألبان ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : خمس قبل قيام القائم عليه السلام : اليماني والسفياني والمنادي ينادي من السماء وخسف بالبيداء وقتل النفس الزكية . ) ([7])
وفي أيضا :  وبهذا الإسناد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن عمر بن  حنظلة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : قبل قيام القائم خمس علامات محتومات : اليماني ، والسفياني ، والصيحة ، وقتل النفس الزكية ، والخسف بالبيداء .) ([8])  .
    وبالطبع فان الروايات كثيرة جدا ، نقتصر منها في هذا الفصل على ذكر الروايات التي تبين لنا منها أن اليماني قائد حقيقي ، وأمره من المحتوم ، وان رايته ودعوته هي دعوة هدى ، وانه لا يحل لأحد الالتواء عليه ومقاومته ، وبالطبع كنتيجة لذلك فان من ينتحل شخصيته ، فهو عدو لحركة الإمام المهدي عليه السلام ، ويجب مقاومته أو على الأقل عدم إعانته في أمره لأنها إعانة على الإثم ، وتحذير الناس من دعوته باعتبارها دعوة باطلة . 


الفصل الثاني :
سنتناول في هذا الفصل موجز لتاريخ اليمن ، وأهل الملك الذين ملكوا اليمن من أهل الصلاح ، وأهل البغي والفساد ، لتكون لدينا فكرة ولو مبسطة عما تتحدث عنه الأخبار والروايات والأحاديث ، والبعد التاريخي لكل ما مر على أهلها ، ثم نستبين منه ما هو الموعود أن يقع بإذن الله :
في معجم البلدان:
[ قال ابن دريد : وجد في أساس الكعبة لما هدمتها قريش في الجاهلية حجر مكتوب عليه بالمسند : ( لمن ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار ، لمن ملك ذمار؟  للحبشة الأشرار ، لمن ملك ذمار؟  لفارس الأحرار ، لمن ملك ذمار؟  لقريش التجار ، ثم حار محار ) أي رجع مرجعا .
وقال : ذمار اسم لصنعاء ، وصنعاء كلمة حبشية أي حصين وثيق ، قاله الحبش لما رأوا صنعاء حيث قدموا اليمن مع أبرهة وارباط ، وقال قوم : بينها وبين صنعاء ستة عشر فرسخا .] ([9]).
    وقد ذكرت هذا القول عديد من المصادر التاريخية وبطرق مختلفة ، منها ابن مسعود في أخبار الزمان ، والطبري في تاريخه ، وابن الأثير في تاريخه  ، واليعقوبي في تاريخه ، ومنها انه وجد على قبر هود النبي (ع) ، ومنها انه وجد في الكتب القديمة ، وذكره ابن حماد في الفتن عن أبي بن كعب ، وهو ملخص انتقال الملك والسيطرة من امة إلى أخرى ، ثم يعود إلى أصله وأهله .

وقال ابن كثير : ( ويقال إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق ، وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن ، وذلك قبل زمن بلقيس بيسير، في أيام مالك بن ذي المنار أخي عمرو ذي الاذعار بن ذي المنار ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا ، وهو من كلامه عليه السلام ، حكاه السهيلي والله أعلم) ([10])



مُلك اليمن :
قال اليعقوبي في تاريخه :
( ذكرت الرواة ، ومن يدعي العلم بالأخبار وأحوال الأمم والقبائل : أن أول من ملك من ولد قحطان بن هود النبي : ابن عابر بن شالح بن ارفخشد ابن سام بن نوح ، سبا بن يعرب بن قحطان ، وكان اسم سبا عبد شمس ، لأنه كان أول من ملك من ملوك العرب ، وسار في الأرض ، وسبى السبايا ، وكان يعرب ابن قحطان أول من حيي : بأنعم صباحا وأبيت اللعن .
 ثم ملك بعد سبا حمير بن سبا ، واسم حمير زيد ، وكان أول ملك لبس التاج من الذهب مفصصا بالياقوت الأحمر . ثم ملك بعد حمير أخوه كهلان بن سبا ، فطال عمره حتى هرم .
 ثم ملك بعد كهلان أبو مالك بن عميكرب بن سبا ، فدام ملكه ثلاثمائة سنة . ثم ملك بعد أبي مالك حنادة بن غالب بن زيد بن كهلان ، وكان أول من صنع السيوف المشرفية ، ، وملك مائة وعشرين سنة .
 وملك بعد حنادة الحارث بن مالك بن افريقيس بن صيفي بن يشجب بن سبا مائة وأربعين سنة .
 ثم ملك بعد الحارث بن مالك الرائش ، وهو الحارث بن شداد بن ملطاط ابن عمرو بن ذي أبين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان بن قطن بن عريب بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبا ، وهو أول من غزا وأصاب الأموال وأدخل اليمن الغنائم من غيرها فسمى الرائش فغلب اسمه ، وكان ملكه مائة وخمسا وعشرين سنة .
 ثم ملك بعد الرائش ابنه أبرهة بن الرائش ، وهو أبرهة ذو منار ، وذلك  انه صار إلى ناحية المغرب ، وكان إذا غلب على بلد ضرب عليها النار ، وكان ملكه مائة وثمانين سنة .
ثم ملك بعد الهدهاد زيد ، وهو تبع الأول بن نيكف ، فطال عمره ، وطغى ، وبغى ، وعتا ، فيزعم الرواة انه ملك أربعمائة سنة ، ثم قتلته بلقيس .
وملكت بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل ، فكان ملكها مائة وعشرين سنة ، ثم كان من أمرها مع سليمان ما كان ، فصار ملك اليمن لسليمان بن داود ثلاثمائة وعشرين سنة ، ثم ملك رحبعم بن سليمان بن داود عشر سنين .
 ثم رجع الأمر إلى حمير ، فملك ياسر ينعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن شرحبيل ، واشتد سلطانه ، فكان ملكه خمسا وثمانين سنة . ثم ملك شمر بن افريقيس بن أبرهة ثلاثا وخمسين سنة .
 ثم ملك تبع الاقرن بن شمر بن عميد ، فغزا الهند ، وأراد أن يغزو الصين ، وكان ملكه مائة وثلاثا وستين سنة . ثم ملك ملكيكرب بن تبع ، فغزا البلاد ، ففرق قومه في أقاصي الأرض ، ونقلهم إلى سجستان وخراسان ، واجتمعوا عليه ، فقتلوه ، وكان ملكه ثلاثمائة وعشرين سنة .) ([11])
ثم قال اليعقوبي : ( وكان تفرق أهل اليمن في البلاد وخروجهم عن ديارهم بسبب سيل العرم ، وكان أول ذلك ، على ما حملته الرواة : أن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد كان رئيس القوم ، وكان كاهنا ، فرأى أن بلاد اليمن تغرق ، فأظهر غضبه على بعض ولده ، وباع مرباعه يثرب ، فتخلف بها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ولحق بهم جماعة من الازد ، وخرج هو وأهل بيته ، فصار إلى بلاد عك ، ثم ارتحلوا إلى نجران ، فحاربتهم مذحج ، ثم ارتحلوا عن نجران ، فمروا بمكة ، وبها يومئذ جرهم ، فحاربوهم حتى أخرجوهم عن البلد ، فصاروا إلى الجحفة ، ثم ارتحلوا إلى بني حارثة ، فصار بعضهم حلفاء ، ودخل بعضهم معهم . وتفرقت الازد بيثرب ، وكانت يثرب منازل اليهود ، فنازعتهم ، وغلبتهم اليهود بكثرتهم ، وقهروهم ، حتى كان الرجل من اليهود ليأتي منزل الأنصاري ، فلا يمكنه دفعه عن أهله وماله ، حتى دخل رجل منهم يقال له الفطيون إلى دار مالك بن العجلان ، فوثب عليه ، فقتله ، ثم صار إلى بعض ملوك اليمن ، فشكا إليه ما يلقون من اليهود ، فسار ذلك الملك إليهم بجيشه حتى قتل من اليهود مقتلة عظيمة ، فصلحت حال الأوس والخزرج وغرس النخل ، وأنشأوا المنازل . وسار باقي القوم يؤمون الشأم ، حتى صاروا إلى أرض السراة ، فأقام أزد شنوءة بالسراة وما حولها ، وخرج منهم قبائل إلى عمان ، فكان أول من صار منهم إلى عمان : مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد ،  ثم لحق بعد مالك بن فهم ، جماعة من بطون الازد منهم : الربيعة وعمران بنو عمرو بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر ، وهم : بارق ، وغالب ، ويشكر بن قيس بن صعب بن دهمان ، وقوم من عامر ، وقوم من حوالة بعمان ، فلما صاروا بعمان انتشروا بالبحرين وهجر .
 وكان بأرض تهامة من الازد الجدرة وهم من ولد عمرو بن خزيمة بن جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب ابن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الازد ، وذلك أن عمرا بنى جدار الكعبة ، فسمي الجادر ، وسار منهم نفر إلى هراة من أرض خراسان .
 وسارت غسان إلى الشأم ، حتى نزلت بأرض البلقاء ، وكان بالشام قوم من سليح قد دخلوا ذمة الروم ، وتنصروا ، فسألتهم غسان أن تدخل معهم في ذلك ، فكتبوا إلى ملك الروم ، فأجابهم ملك الروم إلى ذلك ، ثم ساء مجاورتهم عامله على دمشق ، فحمل عليهم صاحب الروم بجماعة من العرب من قضاعة من قبل ملك الروم ، ثم إن غسان طلبت الصلح ، فأجابهم ملك الروم ، وكان رئيس غسان يومئذ جفنة بن علية بن عمرو بن عامر ، فتنصرت غسان ، فأقامت بالشام مملكة من قبل صاحب الروم ، وسار ولد حوالة بن الهنو بن الازد إلى الموصل ، فنزلوها ، وكان أهل اليمن يرون أن بلدهم يغرق من سد مأرب ، فحصنوه . ) ([12])

وقال الطبري في تاريخه :
 ( حدثت عن هشام بن محمد الكلبى ، أن الملك باليمن صار بعد بلقيس بنت ايليشرح إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي كان يقال له ياسر انعم ، قال : وإنما سموه يا سر انعم لإنعامه عليهم بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم ، قال فزعم أهل اليمن أنه سار غازيا نحو المغرب حتى بلغ واديا يقال له وادي الرمل ولم يبلغه أحد قبله فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازا لكثرة الرمل فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلا من أهل بيته يقال له عمرو أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يرجعوا فلما رأى ذلك أمر بصنم نحاس فصنع ثم نصب على صخرة على شفير الوادي وكتب في صدره بالمسند " هذا الصنم لياسر انعم الحميري وليس وراءه  مذهب ، فلا يتكلفن ذلك أحد فيعطب ) .
قال ثم ملك من بعده تبع وهو تبان أسعد وهو أبو كرب بن ملكى كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع وهو ذو الاذعار ابن أبرهة تبع ذى المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ ، قال : وكان يقال له الرائد ، وانه شخص متوجها من اليمن في الطريق الذي سلكه الرائش حتى خرج على جبلى طيئ ثم سار يريد الانبار فلما انتهى إلى الحيرة ، وذلك ليلا ، تحير فأقام مكانه وسمى ذلك الموضع الحيرة ، ثم سار وخلف به قوما من الازد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة فبنوا وأقاموا به ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيئ وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد ثم توجه إلى الأنبار ثم إلى الموصل ثم إلى آذربيجان فلقى الترك بها فهزمه فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم انكفأ راجعا إلى اليمن فأقام بها دهرا ، وهابته الملوك وعظمته وأهدت إليه فقدم عليه رسول ملك الهند بالهدايا والتحف من الحرير والمسك والعود وسائر طرف بلاد الهند ، فرأى ما لم ير مثله ، فقال : ويحك أكل ما رأى في بلادكم فقال : أبيت اللعن أقل ما ترى في بلادنا وأكثره في بلاد الصين .
 ووصف له بلاد الصين وسعتها وخصبها وكثرة طرفها فآلى بيمين ليغزونها ، فسار بحمير مساجلا حتى أتى الركائك وأصحاب القلابس السود ووجه رجلا من أصحابه يقال له ثابت نحو الصين في جمع عظيم فأصيب ، فسار تبع حتى دخل الصين فقتل مقاتلها واكتسح ما وجد فيها ، قال ويزعمون إن مسيره كان إليها ومقامه بها ورجعته منها في سبع سنين ، وأن خلف بالتبت اثني عشر ألف فارس من حمير ، فهم أهل التبت وهم اليوم يزعمون أنهم عرب وخلقهم وألوانهم خلق العرب وألوانها .
ثم قال الطبري : واليمن قبائل كثيرة ، إذا دخلت فيهم قضاعة ، فقد روي أن رجلا سأل رسول الله ، فقال : يا رسول الله ! أيهما أكثر نزار أو قحطان ؟ قال : ما شاب قضاعة . وقضاعة في هذا الوقت مقيمة على أنها ولد ملك بن حمير . وهذه جماهير قبائل اليمن مع ما دخل فيهم من نزار من قضاعة ، وجذام ، ولخم ، وبجيلة ، وخثعم . وكان أول من ذكر اسمه وعرف قدره : سبا بن نشجب بن يعرب بن قحطان ، فمن ولده كهلان بن سبا ، وحمير بن سبا . فمن قبائل كهلان طئ بن أدد بن زيد بن عريب بن كهلان ، والأشعر بن أدد بن زيد ، وعنس بن قيس بن الحارث بن مرة بن أدد ، وجذام ، ولخم ، وعاملة ، وهم بنو عمرو بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد ، ومذحج ابن أدد بن زيد بن عريب بن كهلان . فمن قبائل مذحج سعد العشيرة بن مذحج ، ومراد بن مذحج ، والنخع ابن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج ، وحكم وجعفى ابنا سعد العشيرة بن مذحج ، وخولان بن عمرو بن سعد العشيرة بن مذحج ، وزبيد بن الصعب بن سعد العشيرة بن مذحج . وهمدان ، واسمه أوسلة بن خيار بن ربيعة بن مالك بن زيد بن كهلان . وخثعم وبجيلة ابنا انمار بن نزار بن عمرو بن الحبار بن الغوث بن نبت ابن مالك بن زيد بن كهلان . والازد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان . فمن قبائل الازد : عك بن عدنان بن الذنب بن عبد الله بن الازد ، والعتيك بن أسد بن عمرو بن الازد ، وغسان ، وهو مازن ابن الازد . فمن قبائل غسان خزاعة ، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن غسان ، و(...) بن وادعة بن عمران بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس .
 والأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن غسان ، قال حسان بن ثابت الأنصاري : ونحن بنو الغوث بن نبت بن مالك ب‍ن زيد بن كهلان وأهل المفاخر، ومن قبائل حمير قضاعة ، وقضاعة ، فيما يزعم النسابون ، ابن نزار بن معد بن عدنان ، وكان نزار يكنى أبا قضاعة . فمن قبائل قضاعة : نهد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن  قضاعة ، وجهينة بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة ، وعذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، وسليح ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، وكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة ، والقين بن جسر بن الأسد بن وبرة بن تغلب ابن حلوان ، وتنوخ ، وهو مالك بن فهم بن تيم الله بن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان ، فهذه جماهير قضاعة .
 ومن حمير بن سبا : الصدف بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن وائل بن عبد شمس بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن الهميسع ابن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان . ) ([13])
وقال ابن كثير في تاريخه :
 ( ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا تُبّعا فإنه قد كان أسلم " .
 قال السهيلي : وروى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة " .
 قال السهيلي : وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا :
شهدت على أحمـد أنـه     *   رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره     *   لكنت وزيرا له وابن عـــم
وجاهدت بالسيف أعداءه    *  وفرجت عن صدره كل هـم
قال ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار ويحفظونه بينهم وكان عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه .
 قال السهيلي : وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور أن قبرا حفر بصنعاء فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه : "هذا قبر لميس وحبى ابنتي تبع ، ماتتا وهما تشهدان ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما ".
ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد وهو أخو اليمامة الزرقاء التي صلبت على باب مدينة جو فسميت من يومئذ اليمامة . ) ([14])
قصة الكاهنان :
قال المسعودي : بلغ سطيح من الكهانة ما لم يبلغه أحد ، وكان يسمى كاهن الكهان ،  وكان يخبر بالغيوب والعجائب فقيل [ إن ] ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هالته ، فأمر بجمع الكهان وأصحاب القيافة والزجر ، فلما حضروا عنده قال لهم إني رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها ، فقالوا له قصها علينا نخبرك بتأويلها ، فقال ما أطمئن إلى تأويلها إذا قصصتها عليكم ، ولا أصدق في تأويلها إلا من عرفها قبل أن أقصها عليه . فقال له رجل منهم : لا يفعل ذلك ويوثق بقوله إلا سطيح الذئبي وشق اليشكري ، فهما أعلم ، فأرسل إليهما ليقدما عليك . فقدم سطيح قبل شق ، وكان اسم سطيح ربيع بن ربيعة من بني ذئب بن عدي ، فأكرمه ربيعة بن نصر ، وقال له :
 إني رأيت رؤيا هالتني ، وأريد أن تخبرني بها وبتأويلها . فقال سطيح : ( أقسم بالشفق ، والليل إذا غسق ، والطارق إذا طرق ، لقد رأيت حممة خرجت من ظلمة ، فوقعت في أرض تهمة ، فأكلت كل ذات جممة ) ([15]) .
قال صدقت فما تأويلها ؟ قال أحلف بما بين الحرتين من حنش ، ليطأن أرضكم الحبش ، وليملكن ما بين أبين إلى جرش . قال ربيعة إن هذا لغائظ موجع ، فهل في زماننا ؟ قال لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين ، يمضين من السنين ، ثم تقتلون بها أجمعين ، وتخرجون منها هاربين . قال فمن يلي ذلك منهم ؟ قال غلام رحب الفطرة من آل ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال فما تصنع اليمن ؟ قال يملكها بعدهم [ قوم ذوو ] أخطار من رجال  أحرار ، قال أفيدوم ذلك أو ينقطع ؟ قال بل ينقطع ، قال ومن يقطعه ؟ قال نبي ذكي أمين قوي ، يأتيه الوحي من قبل الواحد العلي : قال وممن هذا النبي ؟ قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن مضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال وهل للدهر من آخر ؟ قال نعم يوم انفطار السماء ، والوقوف للجزاء ، بالسعادة والشقاء . قال وأي يوم هو ؟ قال يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، ويسعد فيه  المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون . قال أحق ما تخبرنا به يا سطيح ؟ قال :(  نعم والشفق ، والغسق ، والقمر إذا اتسق ، أن ما أنبأتك به لحق ) ([16]).
ثم قال المسعودي : ومن أخباره أيضا : أنه كان لعبد المطلب بن هاشم ماء بالطائف ، يقال له ذو الهدم ، فادعته ثقيف فجاؤه فاحتفروه ، فمنعهم عبد المطلب فعظم خصامهم ، فنافرهم عبد المطلب إلى سطيح ، فخرج عبد المطلب ومعه ابنه الحارث ، وخرج معه جماعة من قومه ، وخرج خصمه جندب بن الحارث في جماعة من ثقيف ، فلما كان في بعض الطريق نفد ماؤهم فطلبوا إلى الثقيفيين أن يسقوهم فلم يفعلوا ، فنزل عبد المطلب وأصحابه ، وهم لا يشكون أنه الموت ، ففجر الله عين ماء عذب من تحب جرات بعير عبد المطلب ، فشربوا واستقوا وحمد الله عزوجل عبد المطلب [ وشكره ] وساروا على طريقهم فنفد ماء الثقيفيين فسألوا عبد المطلب أن يسقيهم ففعل فقال له الحارث : لان أدخل سيفي في بطني أخف علي من أن أفعل ذلك ! قال له : يا بني اسقهم فان الكرم ثقيل الحمل ، فسقاهم . فساروا. فأتوا سطيحا فلما دخلوا عليه قالوا إنا أتيناك ونحتكم عندك في شئ وقع التخاصم بيننا فيه ، قال : احلف بالضوء والظلم ، والبيت ذي الحرم ، أن الدفين ذا الهدم ، لهذا العربي ذي الكرم ، فانصرفوا وقد قضى لعبد المطلب .
 وأما شق اليشكري وكان حكيم العرب في الجاهلية ، وقد كان ربيعة بن نصر لما رأى رؤياه وجه إلى شق وسطيح ، فأتاه سطيح قبل شق ، وكان من جوابه ما قدمنا ذكره في أخبار سطيح ، فلما قدم عليه شق قال له : يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فما هي ؟ وكتمه قول سطيح ، فقال له شق رأيت حممة ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روض وأكمة فأكلت كل ذات نسمة ، قال : صدقت فما تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، ليطأن  أرضكم السودان ، وليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران . قال : أيكون في زماننا هذا ؟ قال : بل بعـده بزمان ، ثم يستنقذكم عظيم ذو شان ، قال : وممن هو هذا العظيم ؟ قال : غلام من بيت ذي يزن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن ، قال : فهل يدوم ذلك ؟ قال :
 ( بل ينقطع برسول يرسل ، يأتي بالعدل بين أهل الدين والفضل ، يكون الملك فيهم إلى يوم الفصل ) ([17])، قال : وما يوم الفصل ؟ قال : يوم يدعى من السماء بدعوات ، يسمع بها الأحياء والأموات ، ويجمع الخلق فيه للميقات ، يكون فيه لمن آمن الخير والخيرات ، ولمن كفر الويل والترحات ، قال : أحق ما تقول يا شق ؟ قال :
" إي ورب السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ، أن ما أنبأتك به لحق محض ، ما فيه كذب ولا نقض " ، فأجازه ربيعة بجائزة سنية ، ووصله وصرفه ) .
وذكر الطبري ذلك باختلاف يسير ففيه : (يوم يجزى فيه الولاة ، يدعى من السماء بدعوات ، يسمع منها الأحياء والأموات ، ويجمع فيه الناس للميقات ، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات . قال : أحق ما تقول ياشق ؟ قال : إي ورب السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ، إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض.) ([18])
ثم قال الطبري : ( فلما فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة ، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد فأسكنهم الحيرة ، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وهو النعمان بن المنذر ابن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم ) ([19]).

وفي تاريخ الطبري : أن تبعا خرج في العرب يسير حتى تحيروا بظاهر الكوفة وكان منزلا من منازله فبقى فيها من ضعفة الناس فسميت الحيرة لتحيرهم وخرج تبع سائرا فرجع إليهم وقد بنوا وأقاموا وأقبل تبع إلى اليمن وأقاموا هم ، ففيهم من قبائل العرب كلها من  بنى لحيان وهذيل وتميم وجعفى وطيئ وكلب ) ([20])
رحلة الشتاء والصيف :
     وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال: كان هاشم وعبد شمس وهو أكبر ولد عبد مناف والمطلب وكان أصغرهم أمهم عاتكة بنت مرة السلمية ونوفل وأمه واقدة بنت عبد مناف فسادوا بعد أبيهم جميعا وكان يقال لهم المجبرون قال ولهم يقال :
 يا أيها الرجل المحول رحله   *  ألا نزلت بآل عبد مناف
فكانوا أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام الروم وغسان ، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة ، وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة ، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس ، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن ، فجبر الله بهم قريشا فسموا المجبرين .
 وقيل إن عبد شمس وهاشما توأمان وإن أحدهما ولد قبل صاحبه وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت عنها فسال من ذلك دم فتطير من ذلك فقيل تكون بينهما دماء وولى هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة *
[ يقول الباحث : والمروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أنهما ولدا متلاصقين من جهة الظهر ، ففصل بينهما بالسيف ، فبقي الحكم إلى السيف بينهما إلى الأبد ] .
فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم مات بغزة من أرض الشأم ، ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد ، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن ، وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب . ) ([21])


اهتمام تُبّع الحميري بأمر رسول الله (ص)
في تاريخ الطبري : حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفى وكان كاهنا فأقام عنده فلما أراد توديعه قال تبع : ( ما بقى من علمك ) ؟
 قال : بقى خبر ناطق وعلم صادق .
 قال : فهل تجد لقوم ملكا يوازى ملكي .
 قال : لا ، إلا لملك غسان نجل .
 قال : فهل تجد ملكا يزيد عليه .
 قال: نعم .
 قال : ولمن ؟
 قال : أجده لبار مبرور أيد بالقهور، ووصف في ألزبور ، وفضلت أمته في السفور، يفرج الظلم بالنور ، أحمد النبي طوبى لامته حين يجئ أحد بني لؤى ثم أحد بني قصي .
 فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها فإذا هو يجد صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن حدثه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممن يروى الأحاديث فحدث بعضهم بعض الحديث وكل ذلك قد اجتمع في هذا الحديث : أن ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التبابعة من حمير يقال له ربيعة بن نصر وقد كان قبل ملكه باليمن ملك تبع الأول وهو زيد بن عمر وذى الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر ابن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن وائل ابن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن العرنجج حمير ابن سبأ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان وكان اسم سبأ عبد شمس وإنما سمى سبأ فيما يزعمون أنه كان أول من سبى في العرب فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التبابعة ثم كان بعد تبع الأول زيد بن عمر وشمر يرعش بن ياسر ينعم ابن عمرو ذى الاذعار ابن عمه وشمر يرعش الذي غز الصين وبنى سمرقند وحير الحيرة وهو الذي يقول :
 أنا شمر أبو كرب اليماني * جلبت الخيل من يمن وشام
لآتى أعبد ا مردوا علينـــا * وراء الصين في عثم ويـام
 فنحكم في بلادهم بحكــــم * سواء لا يجــــاوزه غـــلام  ) ([22])

وفي كمال الدين للشيخ الصدوق :
عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ، في أبيات أخرى من الشعر لتبع الحميري في رسول الله صلى الله عليه وآله :

حتى أتاني من قريظة عالـم          حبر لعمرك في اليهود مسـود
قال ازدجر عن قرية محجوبة          لنبي مكة من قريش مهتــد
فعفوت عنهم عفو غير مثرب          وتركتهم لعقاب  يوم سرمـد
وتركتها لله أرجــو عفـوه          يوم الحساب من الجحيم الموقد
ولقد تركت له بها من قومنا           نفرا أولي حسب وممن يحمـد
نفرا يكون النصر في أعقابهم          أرجو بذاك ثواب رب محمــد
ما كنت أحسب أن بيتا ظاهرا         لله في بطحاء مكة يعبــــد
قالوا بمكة بيت مال داثــر          وكنوزه من لؤلؤ وزبرجـــد
فأردت أمرا حال ربي دونــه        والله يدفع عن خراب المسجـد
فتركت ما أملته فيه لهــم          وتركتهم مثلا لأهل المشهــد
قال أبو عبد الله عليه السلام : قد أخبر أنه سيخرج من هذه - يعني مكة - نبي يكون مهاجرته إلى يثرب ، فأخذ قوما من اليمن فأنزلهم مع اليهود لينصروه إذا خرج وفي ذلك يقول :
 شهدت على أحمـــد أنــه    *    رسول من الله بارئ النسم
 فلو مد عمري إلى عمـــره   *    لكنت وزيرا له وابن عــم
 وكنت عذابا على المشركيـن   *    أسقيهم كأس حتف وغــم

*     حدثنا أبي رضي الله عنه قال : حدثنا على بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبى عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن الوليد بن صبيح ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن تبعا قال للاوس والخزرج : كونوا ههنا حتى يخرج هذا النبي ، أما أنا فلو أدركته لخدمته ولخرجت معه . ) ([23])

خروج المُلك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن :
( قال محمد بن إسحاق رحمه الله : فلما هلك أبرهة ملك الحبشة يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم مَلَكَ اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة . قال : فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري ... حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه ، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم ، وهو يخرج إليهم من شاء من الروم ، فيكون له ملك اليمن ، فلم يشكه [ ولم يجد عنده شيئا مما يريد ] . ثم قال : فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق .) ([24]) . ( أي فنصروه ، وهو حديث طويل )
( ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه . فكان من جملة من وفد قريش ، وفيهم عبد المطلب بن هاشم ، فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما يعلم من أمره ،
قال ابن هشام : وهذا الذي عني سطيح بقوله يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك منهم أحدا باليمن . والذي عنى شق بقوله : غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن .) ([25])

خلاصة الفصل الثاني :
     ما استبان لنا من التاريخ ، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله أن الملك تبع الحميري من ملوك اليمن الأوائل ، ومن بعده الأبرار من ذريته علموا بأمر مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله من الكتب السماوية السابقة ، فألقى الله في قلوبهم محبته ، وقد قطعوا العهد على أنفسهم لنصرته بكل غال ونفيس ، بعد أن آمنوا به بالغيب ، ولم يكن العهد الذي قطعوه على أنفسهم مجرد أقوال ، بل أفعال ، وخير الأفعال ، فاستقصوا أخباره من الكتب ومن الكهان لمعرفة منطلقه وكيفية إعانته على أمره ، ومن هنا كان إخراج الأوس والخزرج إلى يثرب لتكون القاعدة الشعبية والعسكرية لنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، في دعوته .
كما استبان لنا أن الملك في أهل اليمن كان في التبابعة الحميريين  ، ثم انتقل إلى الأحباش الذين سيطروا على اليمن ، ثم رجع الملك إليهم قبل المبعث النبوي المبارك بمساعدة الفرس ، وذلك كتمهيد للدولة المحمدية .
وفي القول الذي كما قيل وكما تقدم بان النبي هود (ع) هو الذي أمر بكتابته على قبره أو في أحجار الكعبة ( لمن الملك ذمار .... ) يخبرنا بان الملك يكون في حمير وفي ذريته من التبابعة ، ثم في الحبشة ، ثم في الفرس ، ثم في قريش ، ثم ( حار محار ) أي يبقى يتكرر هكذا ، عود على بدء . 



الفصل الثالث :
    لعل ما نريد قوله في هذا الفصل أمر غير خاف على الناس وتاريخه لم يتعرض إلى الكثير من التزوير ـ وان كان هذا القليل مؤثر ـ لكن للاختصار لا بأس أن نتقبل المعترف به والمتفق عليه عند جميع الأطراف ، وذلك هو دور الأنصار الذين هاجر إليهم رسول الله (ص) إلى يثرب ، ثم تسمية يثرب باسم المدينة المنورة ( برسول الله ) تكريما لرسول الله ، وتقديم الولاء والطاعة والنصرة ـ على الرغم من وجود بعض المنافقين فيما بين صفوفهم ـ وهذا تاريخ يطول ذكره ، ولكن لما كان مشهورا لدى عامة الناس وبمختلف مذاهبهم ، فنعتمد على معرفتهم الظاهرة به ، وما قدمته الأنصار ( أهل اليمن ) وهم من التبابعة الحميريين ، من تضحيات نطق بها القرآن الكريم فنكتفي بذلك ليكون حاضرا في أذهان القراء لما نريده أن يكون فصلا آخر من فصول البحث .


اهتمام رسول الله (ص) بأهل اليمن خاصة :
عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : " وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أهل اليمن فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : جاءكم أهل اليمن يبسون بسيسا .
 فلما دخلوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال :
" قوم رقيقة قلوبهم راسخ إيمانهم ، ومنهم المنصور ، يخرج في سبعين ألفا ينصر خلفي وخلف وصيي ، حمائل سيوفهم المسك ، فقالوا : يا رسول الله ومن وصيك ؟ فقال : هو الذي أمركم الله بالاعتصام به فقال عزوجل : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " فقالوا : يا رسول الله بين لنا ما هذا الحبل ، فقال : هو قول الله ، " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " فالحبل من الله كتابه ، والحبل من الناس وصيي : فقالوا : يا رسول الله من وصيك ؟ فقال : هو الذي أنزل الله فيه " أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " فقالوا : يا رسول الله وما جنب الله هذا ؟ فقال : هو الذي يقول الله فيه : " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا " ، هو وصيي ، والسبيل إلى من بعدي ، فقالوا : يا رسول الله بالذي بعثك بالحق نبيا أرناه فقد اشتقنا إليه ، فقال : هو الذي جعله الله آية للمؤمنين المتوسمين ، فإن نظرتم إليه نظر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، عرفتم أنه وصيي كما عرفتم أني نبيكم ، فتخللوا الصفوف وتصفحوا الوجوه فمن أهوت إليه قلوبكم فإنه هو ، لان الله عزوجل يقول في كتابه :
 " فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم " [ أي ] إليه وإلى ذريته ( عليهم السلام ) .
 ثم قال : فقام أبو عامر الأشعري في الاشعريين ، وأبو غرة الخولانى في الخولانيين ، وظبيان ، وعثمان بن قيس في بني قيس ، وعرنة الدوسى في الدوسيين ، ولا حق بن علاقة ، فتخللوا الصفوف وتصفحوا الوجوه وأخذوا بيد الانزع الأصلع  البطين وقالوا : إلى هذا أهوت أفئدتنا يا رسول الله .
 فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنتم نجبة الله حين عرفتم وصى رسول الله قبل أن تعرفوه ، فبم عرفتم أنه هو ؟ فرفعوا أصواتهم يبكون ويقولون : يا رسول الله نظرنا إلى القوم فلم تحن لهم قلوبنا ولما رأيناه رجفت قلوبنا ، ثم اطمأنت نفوسنا ، وانجاشت أكبادنا ، وهملت أعيننا ، وانثلجت صدورنا ، حتى كأنه لنا أب ونحن له بنون . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " أنتم منهم بالمنزلة التي سبقت لكم بها الحسنى ، وأنتم عن النار مبعدون . قال : فبقى هؤلاء القوم المسمون حتى شهدوا مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الجمل وصفين فقتلوا بصفين رحمهم الله ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) بشرهم بالجنة وأخبرهم أنهم يستشهدون مع على بن أبي طالب ( عليه السلام ) " . ([26])
وفي كتاب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :
 ( وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله ، حين وجهني إلى اليمن ، كيف أصلي بهم ؟ فقال : صلى بهم صلاة أضعفهم ، وكن بالمؤمنين رحيما ) ([27]) .
ومن هذا الكتاب نعرف السبب الذي خصّ رسول الله صلى الله عليه وآله ، الإمام علي عليه السلام بأمر اليمن وتكليفه بالإشراف المباشر على ولاية أمرهم نيابة عنه ، لتربيتهم على الولاء لأهل البيت عليهم السلام  ، وإعدادهم لما سيأتي وما يمر على الأمة من استيلاء كفارها على الملك ، واغتصاب حق أهل البيت عليهم السلام ، ثم ليبقى أثر ذلك دفينا في القلوب والضمائر إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام .

تمسك أهل اليمن بأهل بيت النبوة عليهم السلام :
أخبرنا محمد بن همام بن سهيل قال : حدثنا أبو عبد الله جفعر بن محمد الحسني  قال : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحميرى ، قال : حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الرحمن التيمى ، عن الحسن بن الحسين الأنصاري ، عن محمد بن الحسين ، عن أبيه ، عن جده قال : قال علي بن الحسين ( عليهما السلام ) :
" كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم جالسا ومعه أصحابه في المسجد فقال : يطلع عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة يسأل عما يعنيه ، فطلع رجل طوال يشبه برجال مضر ، فتقدم فسلم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وجلس ، فقال : يا رسول الله إني سمعت الله عزوجل يقول فيما أنزل : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " فما هذا الحبل الذي أمرنا الله بالاعتصام به وألا نتفرق عنه ، فأطرق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مليا ، ثم رفع رأسه وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وقال : هذا حبل الله الذي من تمسك به عصم به في دنياه ولم يضل به في آخرته ، فوثب الرجل إلى على ( عليه السلام ) فاحتضنه من وراء ظهره وهو يقول : اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله ، ثم قام فولى وخرج ، فقام رجل من الناس فقال : يا رسول الله ألحقه فأسأله أن يستغفر لي ؟ فقال رسول الله : إذا تجده موفقا ، فقال : فلحقه الرجل فسأله أن يستغفر الله له ، فقال له : أفهمت ما قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وما قلت له ؟ قال : نعم ، قال : فإن كنت متمسكا بذلك الحبل يغفر الله لك ، وإلا فلا يغفر الله لك ". ([28])

إخلاصهم وصدقهم في نصرة رسول الله (ص) :
في معاني الأخبار : ( بسنده عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه قال : لما كان يوم اُحد بعثني رسول الله صلى الله عليه واله في طلب سعد بن الربيع وقال لي : إذا رأيته فأقرئه مني السلام وقل له : كيف تجدك ؟ قال : فجعلت أطلبه بين القتلى حتى وجدته بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم ، فقلت له : إن رسول الله صلى الله عليه واله يقرء عليك السلام وهو يقول : كيف تجدك ؟ فقال : سلم على رسول الله عليه واله ، وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم عند الله إن وصل إلى رسول الله صلى الله عليه واله وفيكم شفر يطرف ... وفاضت نفسه .) ([29])

الفصل الرابع :
موقف التبابعة من أهل اليمن ، والأنصار ( أهل اليمن ) من الخلافة ، ومن أهل السقيفة ، فور أن قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله .
حدثنا أحمد بن الحسن القطان ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسيني قال : حدثنا أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد اللخمي قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أمه فاطمة بنت الحسين عليهما السلام قال : لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليها اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها : يا بنت رسول الله كيف أصبحت ، من علتك ؟ فقالت :
( أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم ، لفظتهم قبل أن عجمتهم ، وشنأتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحا لفلول الحد وخور القناة ، وخطل الرأي ، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي  العذاب هم خالدون ، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وشننت عليهم عارها ، فجدعا وعقرا و سحقا للقوم الظالمين ، ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران المبين ، وما نقموا من أبي حسن ، نقموا والله منه نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله عزوجل ، والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه واله لاعتلقه ، ولسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم  منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه ، ولأصدرهم بطانا ، قد تخير لهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سَوْرة الساغب ولفتحت عليهم بركات السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ، ألا هلم فاسمع ، وما عشت أراك الدهر العجب وإن تعجب وقد أعجبك الحادث ، إلى أي سناد استندوا ؟ وبأية عروة تمسكوا ؟ استبدلوا الذنابى والله بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فمالكم كيف تحكمون ؟ أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريثما ننتجوا ، ثم اختلبوا طلاع القعب دما عبيطا وزعافا ممقرا ، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ، ثم طيبوا عن أنفسكم  نفسا ، واطمأنوا للفتنة جأشا ، وابشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين ، يدع فيئكم زهيدا وزرعكم حصيدا . فيا حسرتي لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون .) ([30]) .
    فسلام الله ورحمته وبركاته عليك سيدتنا ومولاتنا وأم المؤمنين ، وصبر جميل والخيرة فيما اختار الله ، إذ اختار لكم الآخرة على الأولى ، ولسوف يعطيكم فترضون ، وسيحكي لنا التاريخ عماذا تتكلمين ، وأي إنذار تنذرين ، وأي عواقب تحذرين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وأما ما نستخلصه من هذا الفصل :
    أن التقاعس عن نصرة الحق نشر جناحه على عموم المسلمين ، حتى انه في الأيام  الأولى ولفترة من الغفلة لم يخرج لنصرة الحق ، إلا أربعة رجال فقط ، وهم ، حذيفة ، والمقداد ، وسلمان ، والزبير، ثم انقلب الزبير فيما بعد . ولذلك ورد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ( الجنة تشتاق إلى أربعة ، علي (ع) ، وحذيفة ، وسلمان ، والمقداد ) . ثم اشتد السجال بين المهاجرين والأنصار ، وخسر الأنصار ، فندموا ( ولات حين مناص ) ، فكان تمرد اليمانيين على السلطة اللاشرعية .

الفصل الخامس :
( خبر ردة العرب في خلافة أبى بكر:)
تحت هذا العنوان ( ردة العرب ) كتب المؤرخون تاريخهم ، الذي يرغموننا على دراسته في كل مراحل الدراسة عن أكاذيب أهل السقيفة ، وتزويرهم لحقائق التاريخ ، وقلب الحقائق ، وجعلوا كل المعارضة السياسية لسلطانهم الفاسد ( خروج على القانون ) ، واتبع الظلمة والجبابرة سنّتهم إلى اليوم وسيبقى إلى يوم الفصل ، لا يعارض احد سياستهم الفاسدة إلا سمّوه " خارج على القانون " وحاربوه تحت هذا الشعار ، حتى أصبح أوقح الناس اليوم ، وأكثرهم خروجا على القانون ، يحاربون أي داعية حق تحت هذا الشعار ، حتى ظننت أن تهمة الخروج على القانون إذا أطلقت من ( المنطقة الخضراء ) في الزوراء على احد أو جماعة ، فهي تعني وسام شرف في الدنيا ، وبراءة من النار في الآخرة .
 هكذا هو التاريخ السياسي منذ بدأ التاريخ ، وعلى كل حال سيكون لنا كلمة ، ولكن نقرأ ونسمع :


 في فتوح البلدان للبلاذري :
 قالوا : لما استخلف أبو بكر ارتدت طوائف من العرب ومنعت الصدقة . وقال قوم منهم : نقيم الصلاة ولا نؤدي الزكاة . فقال أبو بكر: لو منعوني عقالا لقاتلتهم . وبعض الرواة يقول : لو منعوني عناقا والعقل صدقة السنة .
حدثنا إبراهيم بن محمد عن عرعرة قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال : أخبرنا سفيان الثوري عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : قدم وفد بزاخة على أبى بكر فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية . فقالوا : قد عرفنا الحرب المجلية ، فما السلم المخزية ؟ قال : أن ننزع منكم الحلقة والكراع ، ونغنم ما أصبنا منكم ، وتردوا إلينا ما أصبتم منا ، وتدوا قتلانا ، ويكون قتلاكم في النار .
 [ ملاحظة من الباحث : هذا اغرب وأعجب شرط في شروط المفاوضات ومعاهدات الاستسلام ، لم يقل به احد من قبل ولا بعد ، وهو أن يشترط دخول قتلاهم في النار وكأنه قسيم الجنة والنار ! وهذا شيء يسير مما أخبرت به فاطمة الزهراء عليها السلام عندما قالت :
(وما عشت أراك الدهر العجب ، وإن تعجب وقد أعجبك الحادث ) ] .
قالوا : فخرج أبو بكر إلى القصة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردة ، ومعه المسلمون . فصار إليهم خارجة بن حصن ابن حذيفة بن بدر الفزارى ومنظور بن زبان بن سيار الفزارى أحد بني العشراء في غطفان ، فقاتلوهم قتالا شديدا . فانهزم المشركون ، واتبعهم طلحة بن عبيد الله التيمى فلحقهم بأسفل ثنايا عوسجة ، فقتل منهم رجلا ، وفاته الباقون فأعجزوه هربا ، فجعل خارجة بن حصن يقول : ويل للعرب من ابن أبى قحافة . ثم عقد أبو بكر وهو بالقصة لخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومى على الناس ، وجعل على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ، وهو أحد من استشهد يوم اليمامة ، إلا أنه كان من تحت يد خالد ، وأمر خالدا أن يصمد لطليحة بن خويلد الاسدي ، وكان قد ادعى النبوة ، وهو يومئذ ببزاخة ، وبزاخة ماء لبنى أسد ابن خزيمة . فسار إليه خالد وقدم أمامه عكاشة بن محصن الاسدي حليف بني عبد شمس ، وثابت بن أقرم البلوى حليف الأنصار . فلقيهما حبال ابن خويلد فقتلاه ، وخرج طليحة وسلمة أخوه ، وقد بلغهما الخبر ، فلقيا عكاشة وثابتا فقتلاهما . فقال طليحة :
 ذكرت أخي لما عرفت وجوههم   *    وأيقنت أنى ثائر بحبــــــال
عشية غادرت ابن أقــرم ثاويا   *    وعكاشة الغنمى عند مجال ) ([31])
وقال البلاذري :
قالوا : ولما مات المنذر بن ساوى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل ارتد من بالبحرين من ولد قيس بن ثعلبة بن عكابة مع الحطم - وهو شريح بن ضبيعة بن عمرو بن مرثد أحد بني قيس بن ثعلبة - وإنما سمى الحطم بقوله : ( قد لفها الليل بسواق حطم )  ، وارتد سائر من بالبحرين من ربيعة خلا الجارود ، وهو بشر بن عمرو العبدى ، ومن تابعه من قومه ، وأمروا عليهم ابنا للنعمان بن المنذر يقال له المنذر ، فصار الحطم حتى لحق بربيعة ، فانضم إليها بمن معه ، وبلغ العلاء بن الحضرمي الخبر فسار بالمسلمين حتى نزل جواثا ، وهو حصن البحرين ، فدلفت إليه ربيعة ، فخرج إليها بمن معه من العرب والعجم ، فقاتلها قتالا شديدا . ثم إن المسلمين لجأوا إلى الحصن فحصرهم فيه عدوهم . ففى ذلك يقول عبد الله بن حذف الكلابي :
 ألا أبلغ أبا بكـر ألــوكا *  وفتيان المدينــة أجمـعــينا
 فهل لك في شباب منك أمسوا *  أسارى في جواث محاصرينا  ([32])

وقال البلاذري :
 وقال قوم : ( قتل المنذر يوم جواثا . وقوم يقولون إنه استأمن ثم هرب فلحق فقتل . وكان العلاء كتب إلى أبى بكر يستمده ، فكتب إلى خالد بن الوليد يأمره بالنهوض إليه من اليمامة وإنجاده ، فقدم عليه وقد قتل الحطم ، فحصر معه الخط . ثم أتاه كتاب أبى بكر بالشخوص إلى العراق ، فشخص إليه من البحرين ، وذلك في سنة اثني عشر . وقال الواقدي : يقول أصحابنا إن خالدا قدم المدينة ثم توجه منها إلى العراق . واستشهد  بجواثا عبد الله بن سهيل بن عمرو ، أحد بني عامر ابن لؤي ويكنى أبا سهيل ، وأمه فاختة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف . وكان عبد الله أقبل مع المشركين يوم بدر ثم انحاز إلى المسلمين مسلما ، وشهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم . فلما بلغ أباه سهيل بن عمرو خبره قال : عند الله أحتسبه . ولقيه أبو بكر وكان بمكة حاجا فعزاه به ، فقال سهيل : إنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يشفع الشهيد في سبعين من أهله ، وإني لأرجو أن لا يبدأ ابني بأحد قبلي . وكان يوم استشهد ابن ثمان وثلاثين سنة . واستشهد عبد الله بن عبد الله بن أبى يوم جواثا . وقال غير الواقدي : استشهد يوم اليمامة . ([33])
وقال الطبري في تاريخه :
وأما أبو زيد فحدثني عن أبى الحسن ألمدائني في خبر ذكره عن أبى معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبى عبيدة بن محمد ابن أبى عبيدة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من علماء أهل الشأم وأهل العراق : أن الفتوح في أهل الردة كلها كانت لخالد بن الوليد
 [ أنعِمْ و أكْرِِمْ بالمجاهد ضد الإرهاب والخارجين على القانون ]
وقال غيره وفى سنة إحدى عشرة ، إلا أمر ربيعة بن بجير فإنه كان في سنة ثلاث عشرة ، وقصة ربيعة بن بجير التغلبي : أن خالد بن الوليد فيما ذكر في خبره هذا الذي ذكرت عنه بالمصيخ والحصيد فقام ربيعة وهو في جمع من المرتدين فقاتله وغنم وسبى وأصاب ابنة لربيعة بن بجير فسباها وبعث بالسبي إلى أبى بكر رحمه الله فصارت ابنة ربيعة إلى علي بن أبى طالب عليه السلام .) .
[ يقول الباحث : وسنروي لكم بالتفصيل حقيقة ما فعله خالد ( وكم في المنطقة الخضراء اليوم من خالد ... بل أنهم يشرعون القوانين بإملاء أمريكي ، وشريح القاضي حاضر للتوقيع والمصادقة على القانون الذي يقول : إن الخروج على إمام الزمان ، جزاءه رض الأضلاع بحوافر الخيول ، ثم يفسر القانون تفسيرا لا لبس فيه ، فيقول : إن إمام الزمان هو يزيد ، وان الخارج على القانون : هو الحسين بن على بن أبي طالب . وشريح كان قاضي البصرة ، ومن البصرة قاض ممن يشرعن ويصادق على القوانين الأمريكية ، إنها الأمثال .) ، ثم سنبين من هذه المرأة التي يشير إليها الطبري ؟ وما قصتها ؟ حيث أنها أم محمد بن الحنفية ) .
ص529:
 فبعث أبو بكر الصديق حذيفة بن محصن الغلفانى من حمير، وعرفجة البارقى من الازد ، حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة ، وأمرهما إذا اتفقا أن يجتمعا على من بعثا إليه وأن يبتدئا بعمان وحذيفة على عرفجة في وجهه وعرفجة على حذيفة غى وجهه فخرجا متساندين وأمرهما أن يجدا السير حتى يقدما عمان فإذا كانا منها قريبا كاتبا جيفرا وعبادا وعملا برأيهما ، فمضيا لما أمرا به ، وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة واتبعه شرحبيل بن حسنة وسمى له اليمامة وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة ، فبادر عكرمة شرحبيل وطلب حظوة الظفر فكلمه مسيلمة فأحجم عن مسيلمة وكتب إلى أبى بكر بالخبر، وأقام شرحبيل عليه حيث بلغه الخبر وكتب أبو بكر إلى شرحبيل بن حسنة أن أقم بأدنى اليمامة حتى يأتيك أمري ، وترك أن يمضيه لوجهه الذي وجهه له ، وكتب إلى عكرمة يعنفه لتسرعه ويقول : لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء والحق بعمان حتى تقاتل أهل عمان وتعين حذيفة وعرفجة وكل واحد منكم على خيله وحذيفة ما دمتم في عمله على الناس فإذا فرغتم فامض إلى مهرة ثم ليكن وجهك منها إلى اليمن حتى تلاقى المهاجر بن أبى أمية باليمن وبحضرموت وأوطئ من بين عمان واليمن ممن ارتد وليبلغني بلاؤك .
      فمضى عكرمة في أثر عرفجة وحذيفة فيمن كان معه حتى لحق بهما قبل أن ينتهيا إلى عمان وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ في السير معه أو المقام بعمان فلما تلاحقوا وكانوا قريبا من عمان  بمكان يدعى رجاما راسلوا جيفرا وعبادا وبلغ لقيطا مجئ الجيش فجمع جموعه وعسكر بدبا وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه فعسكرا بصحار وبعثا إلى حذيفة وعرفجة وعكرمة في القدوم عليهما فقدموا عليهما بصحار فاستبرؤوا ما يليهم حتى رضوا به ممن يليهم وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدؤا بسبد بنى جديد فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضوا عنه ونهدوا إلى لقيط فالتقوا على دبا وقد جمع لقيط العيالات فجعلهم وراء صفوفهم ليحربهم وليحافظوا على حرمهم ودبا هي المصر والسوق العظمى فاقتتلوا بدبا قتالا شديدا وكان لقيط يستعلى الناس ، فبينا هم كذلك قد رأى المسلمون الخلل ورأى المشركون الظفر، جاءت المسلمين موادهم العظمى من بنى ناجية ، وعليهم الخريث بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وشواذب عمان من بنى ناجية وعبد القيس فقوى الله بهم أهل الإسلام ووهن الله بهم أهل الشرك فولوا المشركون الأدبار فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف وركبوهم حتى أثخنوا فيهم وسبوا الذرارى وقسموا الأموال على المسلمين وبعثوا بالخمس إلى أبى بكر مع عرفجة ورأى عكرمة وحذيفة أن يقيم حذيفة بعمان حتى يوطئ الأمور ويسكن الناس وكان الخمس ثمانمائة رأس وغمنوا السوق بحذافيرها ، فسار عرفجة إلى أبى بكر بخمس السبي والمغانم وأقام حذيفة لتسكين الناس ودعا القبائل حول عمان إلى سكون ما أفاء الله على المسلمين وشواذب عمان ومضى عكرمة في الناس وبدأ بمهرة واستنصر من حول عمان وأهل عمان وسار حتى يأتي مهرة ومعه ممن استنصره من ناجية والازد وعبد القيس وراسب وسعد من بنى تميم بشر حتى اقتحم على مهرة بلادها فوافق بها جمعين من مهرة أما أحدهما فبمكان من أرض مهرة يقال له جيروت وقد امتلأ ذلك الحيز إلى نضدون قاعين من قيعان مهرة عليهم شخريت رجل من بنى شخراة وأما الآخر فبالنجد وقد انقادت مهرة جميعا لصاحب هذا الجمع عليهم المصبح أحد بنى محارب والناس كلهم معه إلا ما كان من شخريت فكأنا مختلفين كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه وكل واحد من الجندين يشتهى أن يكون الفج لرئيسهم وكان ذلك مما أعان الله به المسلمين وقواهم على عدوهم ووهنهم ولما رأى عكرمة قلة من مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام فكان لأول الدعاء فأجابه ووهن الله بذلك المصبح ثم أرسل إلى المصبح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر فاعتز بكثرة من معه وازداد مباعدة لمكان شخريت فسار إليه عكرمة وسار معه شخريت فالتقوا هم والمصبح بالنجدة فاقتتلوا أشد من قتال دبا ثم إن الله كشف جنود المرتدين وقتل رئيسهم وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاؤا وأصابوا ما شاؤا وأصابوا فيما أصابوا ألفى نجيبة فخمس عكرمة الفئ فبعث بالأخماس مع شخريت إلى أبى بكر وقسم الأربعة الأخماس على المسلمين وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع والأداة وأقام عكرمة حتى جمعهم على الذي يحب وجمع أهل النجد أهل رياضة الروضة وأهل الساحل وأهل الجزائر وأهل المر واللبان وأهل جيروت وظهور الشحر والصبرات وينعب وذات الخيم فبايعوا على الإسلام فكتب بذلك مع البشير وهو السائب أحد بني عابد من مخزوم فقدم على أبى بكر بالفتح وقدم شخريت بعده بالأخماس ) ([34]) .
يقول الباحث :
قد يكون خروجا عن الهدف المحدد للبحث أن نقوم بإجراء مقارنة بين سيرة أبي بكر مع المعارضة السياسية التي قامت ضده ، على اثر انقلاب الأمة على أعقابها في مؤامرة السقيفة ، وبين سيرة الإمام علي عليه السلام مع الخارجين عليه وعلى دين الإسلام ، وخاصة مع هؤلاء القوم ( بني ناجية ) الذين(جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية ، وعليهم الخريث بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وشواذب عمان من بني ناجية وعبد القيس فقوى الله بهم أهل الإسلام ووهن الله بهم أهل الشرك فولوا المشركون الأدبار) ، وخروجهم على أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل مع عائشة ، ولكن بظروف مختلفة وسياسة مختلفة ، لترى إلى أين قاد الأمة انقلابها على أعقابها ، فإذا عرفت ذلك عرفت ، لماذا .. اليماني .. والقحطاني .. والخراساني .. والسفياني ، واذا عرفت ذلك عرفت لماذا يقوم الإمام المهدي عليه السلام بالسيف ، ولا يعطي إلا السيف ، ولا يتعامل إلا بالسيف حتى يطهر الأرض من الظالمين .



من كتاب الغارات ، فيما وراء كلام لأمير المؤمنين عليه السلام :
( من كلام له عليه السلام ، لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين وأعتقه فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام ، فقال عليه السلام  :
 ( قبح الله مصقلة فعل فِـعْـل السادة وفر فرار العبيد ، فما أنطق مادحه حتى أسكته ولا صدق واصفه حتى بكته ، ولو أقام لأخذنا ميسوره وانتظرنا له وفوره ) .
 وقال الشراح : بنو ناجية ينسبون أنفسهم إلى قريش وقريش تدفعهم عنه وينسبونهم إلى ناجية وهى أمهم ، وقد عدوا من المبغضين لعلي عليه السلام ، واختلفت الرواية في سبيهم ، ففي بعضها أنه لما انقضى أمر الجمل دخل أهل البصرة في الطاعة غير بني ناجية ، فبعث إليهم علي عليه السلام رجلا من الصحابة في خيل ليقاتلهم ، فأتاهم وقال لهم : مالكم عسكرتم وقد دخل في الطاعة غيركم ؟ - فافترقوا ثلاث فرق ، فرقة قالوا : كنا نصارى فأسلمنا ونبايع ، فأمرهم فاعتزلوا ، وفرقة قالوا : كنا نصارى فلم نسلم وخرجنا مع القوم الذين كانوا خرجوا ، قهرونا فأخرجونا كرها فخرجنا معهم فهزموا فنحن ندخل فيما دخل الناس فيه ونعطيكم الجزية كما أعطيناهم ، فقال : اعتزلوا ، فاعتزلوا ، وفرقة قالوا : كنا نصارى فأسلمنا ولم يعجبنا الإسلام ، فرجعنا ، فنعطيكم الجزية كالنصارى فقال لهم : توبوا وارجعوا إلى الإسلام فأبوا ، فقاتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم فقدم بهم على أمير المؤمنين عليه السلام ، وفى بعضها أن الأمير من قبل علي عليه السلام كان معقل بن قيس ولما انقضى أمر الحرب لم يقتل من المرتدين من بني ناجية إلا رجلا واحدا ، ورجع الباقون إلى الإسلام واسترق من النصارى منهم الذين ساعدوا في الحرب وشهروا السيف على جيش الإمام ، ثم أقبل بالاسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وهو عامل لعلي عليه السلام على أردشير خره ، وهم خمسمائة إنسان ، فبكت إليه النساء والصبيان وتصايح الرجال وسألوه أن يشتريهم ويعتقهم ، فابتاعهم بخمسمائة ألف درهم ، فأرسل إليه أمير المؤمنين أبا حرة الحنفي ليأخذ منه المال ، فأدى إليه مأتي ألف درهم وعجز عن الباقي فهرب إلى معاوية .
 فقيل له عليه السلام : اردد الأسارى في الرق فقال :
 ( ليس ذلك في القضاء بحق ، قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم وصار مالي دينا عليه . ) ([35])

وفي ( النص والاجتهاد ) لشرف الدين الموسوي :
    ( وفي خروج عائشة يوم الجمل ( وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت : من القوم ؟ قالوا : بنو ناجية . قالت : بخ بخ سيوف أبطحية قرشية ، فجالدوا جلادا يتفادى منه ، فكأنما أشعلت فيهم من الحماسة نارا تلظى . وتتابع حملة اللواء على خطام جملها مستميتين يقولون :
يا أمنا يا زوجة النبي  *  يا زوجة المبارك المهدي
نحن بنو ضبة لا نفــر * حتى نرى جماجما تخـــر
يخر منها العلق المحمر
   وما زالت تستفز حميتهم حتى عقر الجمل ، بعد أن قتل على خطامه أربعون رجلا وكانت الهزيمة بأذن الله . ولولا عناية أمير المؤمنين ساعتئذ في حفظها ، ووقوفه بنفسه على صونها ، لكان ما كان مما أعاذها الله منه في هذه الفتنة العمياء التي شقت عصا المسلمين إلى يوم الدين ، وعلى أسسها كانت صفين والنهروان ومأساة كربلا وما بعدها . حتى نكبة فلسطين ، في عصرنا هذا . لكن أخا النبي وأبا سبطيه ، وقف على الجمل بنفسه ، حين أطفئت الفتنة بعقره ، وما إن هوى بالهودج حتى آواه - وفيه عائشة - إلى وارف من ظله منيع ، وجعل معها أخاها محمدا ليقوم بمهامها في نسوة من الصالحات ، ومن على محاربيه وتفضل عليهم ، وأطلق الأسرى من أعدائه الألداء ، واختص عائشة من الكرامة بكل ما يناسب خلقه الكريم . وفضله العميم ، وحكمته البالغة وهذا كله معلوم بحكم الضرورة من كتب السير والأخبار . ) ([36]) .
     
    وفي كتاب الخرائج والجرائح ، شيء آخر من فضائح ما يسميه التاريخ الإسلامي ( حروب الردة ) ، فان كل من عارض انقلاب أهل السقيفة والتزم بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله في الإمام علي عليه السلام ، سمي مرتدا ، وهذه السياسة قائمة إلى اليوم عند سفلة الساسة ، فكل من يعارض سياستهم يسمونه ( خارج على القانون ) ويستبيحون دمه وحرماته تحت ذريعة ( الخروج على القانون ) . وجعلوا كل من يتبع المعارضة السياسية لسلطانهم الفاسد ( خروج على القانون ) ، واتبع الظلمة والجبابرة سنّتهم إلى اليوم وسيبقى إلى يوم الفصل ، لا يعارض احد سياستهم الفاسدة إلا سمّوه " خارج على القانون " وحاربوه تحت هذا الشعار ،



قال قطب الدين الراوندي في الخرائج والجرائح  :
 ومنها :
 أنه لما قعد أبو بكر بالأمر ،  بعث خالد بن الوليد إلى بني حنيفة ليأخذ زكاة أموالهم ، فقالوا لخالد : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث كل سنة من يأخذ صدقات الأموال من الأغنياء من جملتنا ، ويفرقها في فقرائنا ، فافعل أنت كذلك ) . فانصرف خالد إلى المدينة وقال لأبي بكر : إنهم منعوا  من  الزكاة . فأعطاه عسكرا ، فرجع خالد ، وأتى بني حنيفة وقتل رئيسهم ، وأخذ زوجته ووطئها في الحال ، وسبى نسوانهم ورجع بهن إلى المدينة ، وكان ذلك الرئيس صديقا لعمر [ في الجاهلية ] . فقال عمر لأبي بكر : اقتل خالدا به ، بعد أن تجلده الحد بما فعل بامرأته . فقال له أبو بكر : إن خالدا ناصرنا .. تغافل ،
 ( أي يأمره  بالتغافل عنه ، لأنه فـوق القانون ) .
قال : ( وأدخل السبايا في المسجد وفيهن خولة ، فجاءت إلى قبر الرسول صلى الله عليه وآله والتجأت به وبكت وقالت : يا رسول الله نشكو إليك أفعال هؤلاء القوم ، سبونا من غير ذنب ونحن مسلمون . ثم قالت : أيها الناس لم سبيتمونا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ . فقال أبو بكر : منعتم الزكاة . قالت :
"  ليس الأمر على ما زعمت ، إنما كان كذا وكذا ، وهب الرجال منعوكم الزكاة بزعمكم ، فما بال النسوان المسلمات سبين ؟ واختار كل رجل  منهم  واحدة من السبايا . " .
 وجاء خالد وطلحة ورميا بثوبين إلى خولة ، وأراد كل واحد منهما أن يأخذها من السبي . قالت :
"  لا يكون هذا أبدا ، ولا يملكني إلا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة ولدت " . قال أبو بكر : هي قد فزعت من القوم ، وكانت لم تر مثل ذلك [ قبله ] ، وتتكلم بما لا تحصيل له .
 فقالت : " والله إني صادقة " . إذ جاء علي بن أبي طالب عليه السلام فوقف ونظر إليهم وإليها ، وقال عليه السلام : اصبروا حتى أسألها عن حالها . ثم ناداها ، فقال : يا خولة اسمعي الكلام . ( فلما أصغت قال لها ) :
"  إن أمك  لما  كانت بك حاملا ، وضربها الطلق واشتد بها الأمر نادت : " اللهم سلمني من هذا المولود " فسبقت تلك الدعوة بالنجاة ، فلما وضعتك ناديت من تحتها " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله يا أماه عما قليل سيملكني سيد يكون لي منه ولد " فكتبت أمك ذلك الكلام في لوح نحاس ، فدفنته في الموضع الذي سقطت فيه ، فلما كان في الليلة التي قبضت أمك فيها ، وصت إليك بذلك  اللوح  فلما كان وقت سبيك ، لم يكن لك همة إلا أخذ ذلك اللوح فأخذتيه وشددتيه على عضدك الأيمن ، هاتي اللوح فأنا صاحب ذلك اللوح ، وأنا أمير المؤمنين ، وأنا أبو ذلك الغلام الميمون ، واسمه محمد . قال : فرأيناها وقد استقبلت القبلة ثم قالت :
"  اللهم أنت المنان المتفضل ، أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي ، ولم تعطها لأحد إلا وأتممتها عليه ، اللهم بصاحب هذه التربة والناطق المنبئ بما هو كائن ، إلا أتممت فضلك علي " .
ثم أخرجت اللوح ودفعته إليهم فأخذه أبو بكر ، وقرأه عثمان ، فانه كان أجود القوم  قراءة . فبكت طائفة وحزنت أخرى ، فانه ما زاد ما في اللوح على كلام علي عليه السلام حرفا ولا نقص . فقالوا : صدق الله ، وصدق رسوله : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " . فقال أبو بكر : خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها . فبعثها علي عليه السلام إلى بيت أسماء بنت عميس - وهي يومئذ كانت زوجة أبي بكر - . فلما دخل أخوها أمهرها أمير المؤمنين وتزوج بها وعلقت بمحمد ، وولدته . ) ([37]) .

أحوال اليمانيين في زمن خلافة بني أمية :
في كتاب سليم ، مما احتج به قيس بن سعد بن عبادة على معاوية ، قال  أبان عن سليم وعمر بن أبي سلمة - حديثهما واحد ، هذا وذلك - قالا : قدم معاوية حاجا في خلافته المدينة بعد ما قتل أمير المؤمنين عليه السلام وصالح الحسن عليه السلام . فاستقبله أهل المدينة ، فنظر فإذا الذي استقبله من قريش أكثر من الأنصار . فسأل عن ذلك ، فقيل له : ( إنهم محتاجون ليست لهم دواب ) فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال : يا معشر الأنصار ، ما لكم لا تستقبلوني مع إخوانكم من قريش ؟ فقال قيس - وكان سيد الأنصار وابن سيدهم - : أقعدنا - يا أمير المؤمنين - أن لم تكن لنا دواب فقال معاوية : فأين النواضح ؟ فقال قيس : أفنيناها يوم بدر ويوم أحد وما بعدهما في مشاهد رسول الله حين ضربناك وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون . قال معاوية : اللهم غفرا . قال قيس : أما إن رسول الله قال : ( إنكم سترون بعدي إثرة ) . فقال معاوية : فما أمركم ؟ قال : أمرنا أن نصبر حتى نلقاه . فقال : فاصبروا حتى تلقوه ) ([38]) .. ياللوقاحة  !!!

الفصل السادس :
التصريح والبيان في شخصية اليماني :
* ( حدثنا بقية وأبو المغيرة عن جرير عن راشد بن سعد عن أبي حي المؤذن عن ذي مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله تعالى منهم وصيره في قريش ، وسيعود إليهم ) ([39]) .
* ( حدثنا الوليد عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ملك العتيقان ، عتيق العرب ، وعتيق الروم كانت الملاحم على أيديهما ) . قال أبو قبيل تكون الملاحم على يدي طبارس بن أطيطينان بن الأخرم بن قسطنطين بن هرقل .) ([40]) .
ويعنى العتيقان : أي هم صاحبا الملك العتيق ، أي القديم ، وعتيق ملك العرب في حمير ، وعتيق ملك الروم في آل هرقل .
* ( حدثنا الوليد عن معاوية بن يحيى عن أرطاه عن حكيم بن عمير عن كعب قال :
على يدي ذلك اليماني تكون ملحمة عكا الصغرى وذلك إذا ملك الخامس من آل هرقل .
وحدثنا نعيم ثنا الوليد عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عمن سمع عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول إن أدركت ذاك كنت مع أهل اليمن ، ولهم الغلبة . ) ([41]) .
* وفي كنز العمال : عن محمد ابن الحنفية أن علي بن أبي طالب (ع) قال يوما في مجلسه :
( والله قد علمت لتقتلنني ولتخلفني ولتكفون إكفاء الإناء بما فيه ، ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه يعني لحيته بدم من فود هذه يعني هامته ، فو الله إن ذلك لفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي ، وليدالن عليكم هؤلاء القوم باجتماعهم على أهل باطلهم وتفرقكم على أهل حقكم ، حتى يملكوا الزمان الطويل فيستحلوا الدم الحرام ، والفرج الحرام ، والخمر الحرام ، والمال الحرام ، فلا يبقى بيت من بيوت المسلمين إلا دخلت عليهم مظلمتهم ، فيا ويح بني أمية من ابن أمتهم ! يقتل زنديقهم ، ويسير خليفتهم في الأسواق ، فإذا كان كذلك ضرب الله بعضهم ببعض ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يزال ملك بني أمية ثابتا لهم حتى يملك زنديقهم ، فإذا قتلوه وملك ابن أمتهم خمسة أشهر ألقى الله بأسهم بينهم ، فيخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، وتعطل الثغور ، وتهراق الدماء ، وتقع الشحناء في العام والهرج سبعة أشهر ، فإذا قتل زنديقهم فالويل ثم الويل للناس في ذلك الزمان ! يسلط بعض بني هاشم على بعض حتى من الغيرة تغير خمسة نفر على الملك كما يتغاير الفتيان على المرأة الحسناء ، فمنهم الهارب والمشؤم ، ومنهم السناط ( ليس له لحية ) الخليع يبايعه جل أهل الشام ، ثم يسير إليه حمار الجزيرة من مدينة الأوثان ، فيقاتله الخليع ويغلب على الخزائن ، فيقاتله من دمشق إلى حران ، ويعمل عمل الجبابرة الأولى ، فيغضب الله من السماء لكل عمله ، فيبعث عليه فتى من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، هم أصحاب الرايات السود المستضعفون ، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر ، فلا يقاتلهم أحد إلا هزموه ، ويسير الجيش القحطاني حتى يستخرجوا الخليفة وهو كاره خائف ، فيسير معه تسعة آلاف من الملائكة ، معه راية النصر ، وفتى اليمن في نحر حمار الجزيرة على شاطئ نهر ، فيلتقي هو وسفاح بني هاشم فيهزمون الحمار ويهزمون جيشه ويغرقونهم في النهر ، فيسير الحمار حتى يبلغ حران فيتبعونه فينهزم منهم ، فيأخذ على المدائن التي في الشام على شاطئ البحر حتى ينتهي البحرين ، ويسير السفاح وفتى اليمن حتى ينزلوا دمشق فيفتحونها أسرع من التماع البرق ويهدمون سورها ، ثم يبنى ويعمر ويساعدهم عليها رجل من بني هاشم اسمه اسم نبي ، فيفتحونها من الباب الشرقي قبل أن يمضي من اليوم الثاني أربع ساعات ، فيدخلها سبعون ألف سيف مسلول بأيدي أصحاب الرايات السود ، شعارهم " أمت أمت " أكثر قتلاها فيما يلي المشرق ، والفتى في طلب الحمار فيدركانه فيقتلانه من وراء البحرين من المعرتين واليمن ، ويكمل الله للخليفة سلطانه ، ثم يثور سميان أحدهما بالشام والآخر بمكة ، فيهلك صاحب المسجد الحرام ويقبل حتى يلقى جموعه جموع صاحب الشام فيهزمونه . ( ابن المنادي ) . ([42])
* حدثنا علي بن سعيد قال نا الحسين بن عيسى بن ميسرة الرازي قال نا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن ابي بكر عن سالم عن أبيه قال:
( قال رسول الله ( ص ) ليسوقن الناس القحطاني بعصاة ) ([43])
* حدثنا أبو عامر النحوي ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا حسين بن علي الكندي مولى جرير عن الأوزاعي عن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سيكون من بعدي خلفاء ، ومن بعد الخلفاء أمراء ، ومن بعد الأمراء ملوك ، ومن بعد الملوك جبابرة ، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ثم يؤمر القحطاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه ) ([44])
* حدثنا الوليد بن مسلم عمن حدثه عن كعب قال يقاتل أهل اليمن قتالا شديدا فيما بين النهرين فيهزمه الله ومن معه فما يروع أهل المشرق ومن معه إلا بالقتلى يطفون على النهر فيعلمون بهزيمتهم فيقبل راكبهم إلى اليمن وهم نزول بين النهرين فيظهره الله تعالى ومن معه فيصلح أمر الناس وتجتمع كلمتهم هنيهة ثم يسيرون حتى ينزلوا الشام ويمكثون زمانا في ولاية صالحة ثم تثور بهم قيس فيقتلهم أهل اليمن حتى يظن الظان أن لم يبق من قيس أحد ثم يقوم رجل من أهل اليمن فيقول الله الله في أخوانكم الله والبقية فتسير قيس فيمن بقى منها حتى ينزلوا بين النهرين فيجمعوا جمعا عظيما فيولون أمرهم رجلا من بني مخزوم ثم يموت والي اليمن فتفرح قيس بموته فيسير المخزومي حتى إذا جاز آخرهم الفرات مات المخزومي فتصير اليمن على حده وقيس على حدة فيغضب الموالي عن ذلك وهم أكثر الناس يومئذ فيقولون : هلموا نولي رجلا من أهل الدين فيبعثون رهطا من أهل اليمن ورهطا من مضر ورهطا من الموالي إلى بيت المقدس فيتلون كتاب الله تعالى ويسألونه الخيرة فيرجع أولئك الرهط وقد ولوا رجلا من الموالي فويل للناس بالشام وأرضها من ولايته فيسير إلى مضر يريد قتالهم ثم يسير رجلا من أهل المغرب رجل طويل جسيم عريض ما بين المنكبين ،  فيقتل من لقي حتى يدخل بيت المقدس فتصيبه الدابة فيموت موتا فتكون الدنيا شر ما كانت ثم يلي من بعده رجل من مضر يقتل أهل الصلاح ملعون مشوم ثم يلي من بعده المضري العماني القحطاني يسير بسيرة أخيه المهدي وعلى يديه تفتح مدينة الروم . ) ([45])
وفي فيض القدير مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
( سيكون في أمتي رجل يقال له أويس بن عبد الله القرني ) نسبة لقرن بفتح القاف بطن من قبيلة مراد على الصواب وغلط الجوهري في قوله نسبة لقرن ميقات أهل نجد ( وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر ) قال البعض : وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام :
 إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن .) ([46])

           
خلاصة البحث
 
     إن ما نستخلصه من نتيجة البحث ـ وقد أصبح ذلك واضحا من معنى الروايات ـ هو أن ملك العرب العتيق كان لفترة بعد سبأ ، في حمير، ثم كان الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله عن نفسه وعن شرف نسبه ومحتده ، انه كلما انشطرت وتوسعت القبيلة ، أو العائلة ، انه كان في أعلاها شرفا ومحتدا ، وهذا الأمر جار في كل القبائل والاحساب والأنساب ، وهو أنها تتكاثر إلى فروع ، وفروع الفروع ، وينتج من فروعها الصالحون و القاسطون ، وانْ كان الأصل صالح ، ففرع عبد مناف من قريش هو الأصلح والأفضل ، وفرع هاشم من عبد مناف هو الأصلح والأفضل ، وفرع عبد المطلب من هاشم هو الأصلح و الأفضل ، وفرع عبد الله و أبي طالب من عبد المطلب هو الأصلح والأفضل ، وعلي (ع) من فرع أبي طالب هو الأصلح والأفضل ، وأولاد الحسين من أحفاد علي عليهما السلام ، هم الأصلح والأفضل ، وهكذا هو حال جميع الخلائق من بني البشر ، وقد يكون فرع من فروع ( الأصلح والأفضل ) فرع خبيث ولئيم ، وإنْ كان أصله طيب .
     إن هذا الأمر الذي هو جارٍ في أصول بني البشر ، هو جارٍ في أهل اليمن وقبائلها إلى سبأ وحمير ، وكما تبين لنا من العرض التاريخي ، فان عتيق ملك العرب كان زمن مبعث رسول الله "صلى الله عليه وآله " قد عاد إلى الأصل الطيب ثم نزولاً إلى فروع طيبة من ذرية التبابعة الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله بالغيب ـ كما نؤمن نحن بالإمام المهدي عليه السلام ـ واعدوا العدة لنصرته قبل مبعثه المبارك ـ كما يفعل بعضنا الآن ـ إلا أن الملك انتقل من الأصل الطيب والفروع الطيبة بعد انقلاب الأمة على أعقابها يوم قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، والى حد كبير بقي الملك في قريش ـ حتى بعد رسول الله (ص) ، ولكن في الفروع اللئيمة من قريش ، فان المقدر من الله سبحانه وتعالى ـ كما جاء ذلك عن النبي هود (ع) : (لمن ملك ذمار لحمير الأخيار ، لمن ملك ذمار للحبشة الأشرار ، لمن ملك ذمار لفارس الأحرار ، لمن ملك ذمار لقريش التجار ، ثم حار محار) أي ، يعود عَوداً على بدء ، فقد كان في ذرية ( سيف بن ذي يزن ) من التبابعة الحميريين ، وهم الذين نصروا رسول الله (ص) حين هاجر إليهم إلى يثرب ، ونصروه في اغلب الأمصار التي هاجر إليها التبابعة خوفا من غرق اليمن قبل انهيار سد مأرب ، ففي الكوفة كانت قبيلة النعمان بن المنذر ( الحيرة ) كما تقدم من العرض التاريخي ، وكذلك في الشام ، واغلب الأمصار والبلاد التي هاجروا إليها ، والآن هو في ولد عبد الله بن العباس بن عبد المطلب من قريش ، وفي ملحمة الفتح التي تسبق ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، فإن ملك اليمن سيحور ( حار محار) على نفس السلسلة ، فيخرج من بني العباس إلى الأحباش في الملحمة ، ثم تقوم فارس بإعانة أهل اليمن على طرد الأحباش ( ذو السويقتين ـ الذي يهدم أحجار الكعبة حجرا حجرا ) ولكن القيادة في ذلك لفارس ، فيملك في رجب الذي فيه العجب ( عتيق العرب ) وهو رئيس أو قائد يستقر له ملك اليمن ، وهو من أهل البيت المالك قديما ، من الأخيار من التبابعة الحميريين ـ من ذرية سيف بن ذي يزن ـ  تمهيدا لنصرة الإمام المهدي عليه السلام ، كما نصر الله تعالى ، رسوله الكريم  بهم قديما ، ثم بعد الظهور المبارك لصاحب الأمر عليه السلام ، سيكون الملك له وهو من قريش سيدها ، ومن العرب ذروتها، ومن أهل الأرض إمامهم ، ومن المؤمنين أبوهم  صلوات الله عليه وعلى آبائه الأطهار .
وأما الوقت الذي يملك فيه هذا اليماني ، ففي نفس السنة التي يظهر فيها الإمام المهدي عليه السلام ، ولكن قبل بضعة أشهر ، في رجب الذي فيه العجب ، وهو نفس يوم ظهور الخراساني ، والسفياني ، وهذه الأحداث العظيمة كلها تحدث في نفس السنة ، حسب المعلوم والمتعارف عليه عندنا بما تعنيه السنة ، حيث أن السنة الهجرية التي نؤرخ وفقها اليوم ، تبدأ في اليوم الأول من شهر محرم الحرام ، ولكن الظاهر أن هناك اختلاف فيما بين ما هو جار اليوم  وبين الحقيقة التي يتكلم عنها أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فالظاهر أنهم يوقتون ابتداءً من شهر رمضان المبارك، وهنا سيكون اختلاف بلا شك . فعلى سبيل المثال ، عندما تنتهي السنة في آخر يوم من شعبان وكانت السنة (وتر) أي فردية ـ مثلا 1429 ـ فان اليوم التالي وهو الأول من رمضان سيبدأ بسنة زوجية ـ 1430 ، ولكننا نجهل ذلك ونعتقد أننا مازلنا في نفس السنة الفردية ، وهذا إشكال من ضمن الإشكالات الكثيرة التي وضعونا فيها ، بحيث يصعب علينا الوقوع على الحقيقة الكاملة قبل وقوعها عينا ، ولكن على العموم ، وبغض النظر عن كون السنة ( وتر) أو( شفع) ، فان هذه الأحداث يفصل بينها بضعة شهور .
واما مكان ومنطلق ظهور هذا اليماني ، فقد جاء عن الإمام الباقر عليه السلام  :
   حدثنا سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر(ع) قال : ( إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام فتكون بينهم ملحمة عظيمة ثم يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلها جميعا فيظهر عليهما جميعا ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده ، وله فورة شديدة يستقتل الناس قتل الجاهلية فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملونة فيكون بينهما قتال شديد ثم يظهر الأخوص السفياني عليه ثم يظهر الروم وخروج إلى الشام ثم يظهر الأخوص ثم يظهر الكندي في شارة حسنة فإذا بلغ تل سما فأقبل ثم يسير إلى العراق .) ([47]) 

    إن ما تحصّل لنا من حقائق ـ وقد تناولنا الأكثر منها في كتاب " عولمتنا .. دولة الإمام المهدي "ع"ـ هو إن الصراع العالمي الحاصل قبل قيام الإمام المهدي عليه السلام ، هو صراع تأريخي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، ومن ذلك : إن جميع الأمم ستقف ليوم الفصل ، الذي يفصل الله تعالى فيما بين دعاة الحق وأتباعهم ، وبين دعاة الباطل وأتباعهم ، من الأولين والآخرين ، فليس الآخرين إلا تبع للأولين ، وهذا التبع ليس تبعا نظريا أو اعتقاديا أو أيديولوجيا ، بل إن ذلك سيتمثل بالمواجهة والمقابلة المباشرة بين أطراف الصراع على حقيقتهم ، ولكن منهم من يكون بنفسه شخصيا ،لا ينوب عنه احد ، ومنهم من يكون احد من ذريته الذي ورثه عبر حقب التاريخ .
    فالإمام المهدي عليه السلام ـ وإنْ كان يمثل أهل بيت النبوة ، ويمثل رسول الله (ص) شخصيا ـ إلا انه عليه السلام هو الخليفة وهو صاحب المُلك والدولة ، ورث الإمامة عن آبائه عليهم السلام ، ولكن مُلكه مغصوب ، فخروجه بالسيف ، يكون هو بنفسه ، لا ينوب عنه احد .
   وكذلك إبليس "عليه اللعنة " سيكون بنفسه لا ينوب عنه احد ـ مع أن خيله ورجله وحزبه معه ـ إلا انه هو القائد بنفسه للقتال عن عقيدته .
   وكذلك الدجال اللعين ، سيكون بنفسه لا ينوب عنه احد ـ مع إن أتباعه وحزبه معه ـ إلا انه هو القائد بنفسه للقتال عن عقيدته .
بينما تكون أطراف الصراع الأخرى ممثَلة بمن ينوب عنها من ذرياتها ، لان الحكمة الإلهية التي تقتضي وجود أطراف الصراع  الأساسيين بعينهم ، فان ذات الحكمة لا تقتضي وجود الأطراف التابعة لها بأعيانهم ، ذلك أن حشرهم بأعيانهم من الموت للوقوف ليوم الفصل ، سيكون مشهد آخر ، وموقف آخر من مشاهد ومواقف هذا الوعد الإلهي .
    ومن هنا سنجد آل أبي سفيان الذين انتزعوا مُلك آل محمد صلوات الله عليهم ، متمثلين برجل من ذريتهم ، هو نظير ومثال ليزيد عليه اللعنة .
   ونجد الروم الذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله للإسلام فلم يستجيبوا ، متمثلين برجل من آل هرقل ، حيث أن مُلك الروم كان آنذاك في آل هرقل .
   ونجد اليمانيين الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وآله حين مبعثه المبارك ، ونصروا أمير المؤمنين عليه السلام فيما بعد ، متمثلين باليماني  ، وهو من أهل بيت المُلك العتيق أو القديم ، وهو من ذرية تبع الحميري ، وتشير الروايات انه من ذرية سيف بن ذي يزن ، من أبناء تُبّع الأخيار الأبرار .
                      

على هامش البحث :

    وما دمنا قد خضنا في هذا الموضوع ، فلابد من استكمال الجوانب الأخرى المناظرة لقضية القادة الموعود ظهورهم يوطئون سلطان الإمام المهدي عليه السلام،
   وكما هو الموعود من ظهور هؤلاء القادة بالروايات والأحاديث المسندة ، فان ما تشير إليه خفايا خطب أمير المؤمنين عليه السلام من طرف خفي ، فان الموضوع يبدو أكثر عمقا وبعدا في المقادير الإلهية المقدرة  عند وقوع الفتنة الأكبر ، والتي يستنقذ الله المسلمين والمؤمنين بالإمام المهدي عليه السلام من شرّ هذه الفتنة والعـداء الواقع بين الناس بسببها .
    ذلك أن التاريخ سيكون حاضرا بكل رجاله وقادته من أئمة الضلالة و الكفر، وأئمة الهدى ودعاة الحق .
    وهذا يطرح سؤالا هاما لكل متأمل ومتفكر ، وهو : وماذا يوجد أيضا غير ذلك ؟
    ويطرح سؤالا هاما لكل مراقب للأحداث ، وهو : ما هذا الذي يحدث ؟
في هذا البحث المتواضع والمحدود الهدف ، لا يمكننا تحميله أكثر من أهدافه ، ولكن نود أن يثير هذا البحث التساؤلات الموضوعية لدى القارئ ، ويحث فكره على التأمل والتفكر في عمق ما جاء به القرآن الكريم ، وما تتحدث به الروايات والأحاديث الشريفة ، ولكن دون تعسف ودون إتباع لهوى النفس .
جملة التساؤلات الأولى :
    إذا كان التاريخ سيكون حاضرا هكذا بكل رجاله وحركاته المنحرفة والمهتدية للوقوف ليوم الفصل ، فهل أن ابن أبي سفيان وحده سيكون حاضرا ممثلا لعقيدة وموقف آبائه ؟ وهل اليماني سيكون سكون حاضرا مدافعا عن موقف آبائه عبر تاريخ يمتد لتاريخ أكثر من ألفي سنة ، بل أكثر من ذلك ؟
وهل ملك الروم من آل هرقل وحده سيكون حاضرا ؟
أين أبو الأعور السلمي ودوره في مقاتلة الإمام الحسين في كربلاء ؟ هل هو حاضرا بقناع كربلائي خادع ؟ ومن هو ( عوف السلمي ) الذي تحدثت عنه علامات الظهور ؟
أين عمر بن سعد ، الطامع بملك الري ، بوعود أمريكية .
أين عبيد الله بن زياد ؟ أين الآخرين ؟
أين عبد الله بن الحسن وخصوماته العنيفة مع زيد بن علي (ع) وتحاكمه إلى الامويين ؟

       
الجملة الثانية من التساؤلات :
لقد رأينا كيف أن الله يُعد لنصرة اوليائة وأنبيائه إعدادا بعيد المدى ، فلم يك الهام تُبّع حُب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم إرسال الفرسان والقبائل إلى يثرب والى الكوفة لنصرة رسول الله حين ظهوره ، ثم نصرة أمير المؤمنين عليه السلام :
شهدت على أحمـــد أنــه    *    رسول من الله بارئ النسم
 فلو مد عمري إلى عمـــره   *    لكنت وزيرا له وابن عـــم
 وكنت عذابا على المشركين   *    أسقيهم كأس حتف وغــــم
وكما مر الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال : " إن تبعا قال للاوس والخزرج : كونوا ههنا حتى يخرج هذا النبي ، أما أنا فلو أدركته لخدمته ولخرجت معه " .
   وهذا يدعونا للتفكر في تقدير وتدبير الله سبحانه وتعالى لنصرة الإمام المهدي عليه السلام وتهيئة الأنصار في مناطق بعينها لدفع الأعداء عن حرمات الله .
   فهل أن إتاحة الفرصة لرجل من الشيعة لتولي السلطة ـ وإنْ لم يكن متدينا ، بل يدفع بعض الضيم عنهم ـ ثم يقوم هذا الرجل بإنشاء مدن في بغداد والمحافظات ، لمحرومي ومظطهدي الشيعة الذين هم بلا مأوى ولا ارض تحتضنهم ، نقصد بذلك عبد الكريم قاسم ، الذي انشأ ( مدينة الثورة ) في كل محافظة ، هل ذلك محض صدفة ، أم انه مما هو في المخطط الإلهي ، ينفذه بعضهم بوعي وإلهام ـ مثل تُبّع الحميري ـ وبعضهم بلا وعي ولا إدراك لدوافعه وأعماله .
فعلى سبيل المثال فان مدينة الثورة في بغداد خلعت "الثورة" واسمها ورفعت اسم السيد الشهيد الصدرـ  كما خلعت يثرب اسمها وتبركت باسم المدينة المنورة برسول الله صلى الله عليه وآله ـ  حتى أصبحت الدرع الحصين المدافع برجاله وشبابه الانجاد عن الدين والحرمات ، تتصدى لأصحاب الأخدود ، ومارقة الروم ، ولولاهم لما بقيت المشاهد المقدسة في كربلاء والنجف على حالها ولحلّ بها ما حلّ بالمراقد والمشاهد الشريفة المقدسة في سامراء على أيدي الشراة ( الخوارج ) .
    وكذلك فان بعض الظلمة والفجرة يفعلون مثل ذلك ، وإنْ كانت نواياهم غير حسنة ولا سليمة ، ولكن العاقبة التي يعلمها الله ويخطط لها هي لما يستقبل من الزمان ، فلقد قام " صدام حسين" لعنه الله ، بإنشاء أحياء للعسكريين المراتب في جميع المحافظات ، ومنحهم التسهيلات العقارية والمادية ، لتغذية آلة الحرب ، وقد شهدت هذه الأحياء الكثير من الانحراف السلوكي في فترة من الفترات ـ كما يفعل  الفقر بالناس غالبا ـ ولكن ، ومع اقتراب وعد الآخرة أصبحت هذه الأحياء الفقيرة هي منطلق حركة الإصلاح والتغيير ، وهي الحاضنة الأقوى للمقاومة الإسلامية المقدسة ، تقدم التضحيات تلو التضحيات ، بسماحة نفس وطيب خاطر ، فسبحان الله على جميل فعله ، وحُسن تدبيره ، ودقيق تقديره ، فنِعْمَ المقـدّر ونِعْمَ المدبر ، وسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليت ترجعون  .


انتهى
                                                    بتوفيق من الله
















([1]إقبال الأعمال ـ السيد ابن طاووس الحسني ج 3 ص 116

([2] عصر الظهور ـ الشيخ على الكوراني ص 208

([3])   لسان العرب ـ ابن منظور ج1 ص 652
([4] الإمامة والتبصرة ـ ابن بابويه ألقمي ص 136

([5])  كتاب الغيبة ـ محمد بن إبراهيم النعماني  ص 253
([6])   كتاب الغيبة ـ محمد بن إبراهيم النعماني ص 253
([7])   كمال الدين وتمام النعمة ـ الشيخ الصدوق ص 649
([8])   كمال الدين وتمام النعمة ـ الشيخ الصدوق ص 650
([9])   معجم البلدان ـ الحموي ج 3 ص 7
([10] البداية والنهاية ـ ابن كثير ج 2 ص 227

([11]تاريخ اليعقوبي ـ اليعقوبي ج1 ص 195

([12] تاريخ اليعقوبي ـ اليعقوبي ج 1 ص 203 ـ 205

([13])   تاريخ الطبري ـ الطبري ج 2 ص 403
([14])  البداية والنهاية ـ ابن كثير ج 2 ص 204 .
([15])  وفي تاريخ الطبري : قال : أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال : نعم والشفق والغسق والغلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق .
([16]قال تعالى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ* وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ* وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ* لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ* ) الآيات 16 ـ 19 سورة الانشقاق

([17]قال تعالى : وَإِذَا الرُّسُلُ وُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ* ) سورة المرسلات 12 ـ 14  ، ويوم الفصل من أيام الله في ظهور الإمام المهدي عليه السلام
(18) تاريخ الطبري  ص 537
(19 ) وفي تاريخ الطبري : قال : أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال : نعم والشفق والغسق والغلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق .

([20]تاريخ الطبري  ـ الطبري ج 1 ص 403
(21تاريخ الطبري ـ الطبري ج2 ص 12


([22])  تاريخ الطبري 
([23])  كمال الدين وتمام النعمة ـ الشيخ الصدوق ص 169
([24] البداية والنهاية ـ ابن كثير ج 2 ص 221
(25)   البداية والنهاية ـ ابن كثير ج 2 ص 224


([26])  كتاب الغيبة ـ محمد بن إبراهيم النعماني ص 39    .
([27]مستدرك الوسائل ـ الميرزا النوري ج 13 ص 169
(28 كتاب الغيبة ـ محمد بن ابراهيم النعماني ص 41


([29] معاني الأخبار ـ الشيخ الصدوق ص 359

([30] معاني الأخبار ـ الشيخ الصدوق ص 354

([31]  فتوح البلدان ـ البلاذري ج 1 ص 113
(32)     فتوح البلدان ـ البلاذري ج 1 ص 101

([33]  فتوح البلدان ـ البلاذري ج 1 ص 103

([34]  تاريخ الطبري ـ الطبري ج 2 ص 528 ـ 530

([35])    الغارات ـ ابراهيم بن محمد الثقفي ج 2 ص 770 .
([36]  النص والاجتهاد ـ شرف الدين الموسوي ص 449

([37])  الخرائج والجرائح ـ قطب الدين الراوندي ج 2 ص 563
([38])  كتاب سليم بن قيس الهلالي ـ ص 311
([39])  كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد ص 238   .
([40])  كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد ص 305   .
([41])  كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد ص 241  

([42])   كنز العمال ـ المتقي الهندي ج 14 ص 59
([43])   المعجم الأوسط ـ الطبراني ج 4 ص 147
([44])   المعجم الكبير ـ الطبراني ج 22 ص 375
([45])   كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد ص 236
([46])   فيض القدير شرح الجامع الصغير ـ المناوي ج 4 ص 170

([47])   كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد المروزي ص 174